حيران في دنيا الخيال دكتور احمد ابراهيم حنفي
حيران في دنيا الخيال
دكتور احمد ابراهيم حنفي
تتداخل الأزمنة في وجدان الإنسان حين يضيق به الواقع، فيفرّ من هجير الحقيقة إلى ظلال الأوهام العذبة. هناك، خلف سُتُر المألوف، وبعيدًا عن طنين الحياة اليومية ورتابة الأيام المتشابهة، يجد المرء نفسه حيران في دنيا الخيال؛ كمن ضلّ طريقه في بستانٍ ساحر لا حدود لمدارجه، كلما خطا فيه خطوة، امتدت أمامه دروب جديدة من الضوء والغموض.
الخيال ليس مجرد سحابة عابرة تعبر أفق الذهن، بل هو معبد روحاني نلوذ به حين تنكسر الأماني على صخرة الواقع. نبتعد عن ضجيج الأسواق، وعلامات الاستفهام التي تطاردنا في وجوه العابرين، لنبني مدنًا من نور، ونقيم حوارات صامتة مع أطياف لم نلقَها قط، وربما لن نلتقي بها أبداً. في هذا الملاذ الفريد، يتداخل الحلم باليقظة، وتغدو اللحظة الواحدة دهراً كاملاً؛ يملك فيه العقل حريته المطلقة، فيحلق دون أجنحة، ويطوي المسافات دون قدمين.
غير أن هذا التيه الشفيف لا يخلو من شجن مكتوم. فالمرء إذ يستغرق في تفاصيل هذه العوالم المبتكرة، يجد نفسه مشدوداً بين حبلين: حبل الحنين إلى واقعٍ يرجو إصلاحه، وحبل الانبهار بعالمٍ صنعته مخيلته ولا وجود له إلا بين جنبات صدره. إنها الحيرة السامية؛ حيرة الفنان الذي يرى الألوان ولا يستطيع أن يلمسها، وحيرة الشاعر الذي يسمع الموسيقى العلوية ويضلّ عن اقتفاء أثر نغمتها. هل يظل المحلقُ غائباً في سمائه، أم يعود للأرض وفي قلبه بقايا من قبس السحر الذي رآه؟
إن السير في أروقة الخيال يشبه السير على صفحة ماء, رقيقٌ حتى الفتنة، ومراوغٌ حتى الضياع. تجد الروح نفسها متسائلة: أيّ العوالم أكثر صدقًا؟ هل هو ذاك الذي نلمسه بجموده وجفافه، أم ذاك الذي نبنيه برهفته وجماله؟ في دنيا الخيال، نلتقي بأحلامنا القديمة التي ظننا أنها ماتت، ونستمع إلى همسات الرغبات التي كتمناها دهراً. هناك، نكون أحراراً بحق، ولكننا نكون أيضاً أكثر حيرة, لأن العودة إلى الواقع بعد كل رحلة خيالية تتطلب شجاعة استثنائية لمواجهة الضوء الشاحب بعد الغوص في ألوان الطيف.
ومع ذلك، تبقى هذه الحيرة هي جوهر الإنسانية وأصل كل إبداع. فمن قلب هذا التيه تولد القصيدة، ومن رحم هذه الحيرة تتجسد اللوحة، ولولا هذا الملاذ اللامحدود لجفت أرواحنا على أعتاب الماديّات المحضة. فلْنَحَر كما يروق لنا، ولنسرح في أزقة الأوهام الجميلة، فربما كانت تلك الحيرة في دنيا الخيال هي الوسيلة الوحيدة لنفهم بها من نكون حقاً في دنيا الحقيقة.



التعليقات على الموضوع