منى بغدادى تكتب ليس كل صمتٍ سلاماً ميرور عربية
ليس كل صمتٍ سلاماً
ليس كل صمتٍ سلاماً … فبعض الصمت ضجيجٌ مؤجل وبعضه وجعٌ لم يجد الكلمات التي تليق به ، وبعضه الآخر حكايةٌ كاملة قرر صاحبها أن يدفنها في صدره لأن الكلام هذه المرة لن يغير شيئاً .
نخطئ أحياناً حين ننظر إلى الإنسان الصامت ونظنه بخير .
نراه هادئاً ، فلا نسأل .
نراه مبتسماً ،فنطمئن .
نراه يتجاوز ، فنظن أنه نسي .
ونراه لا يعترض ، فنحسبه راضياً .
لكننا لا نعرف كم معركةً خاضها في داخله قبل أن يختار الصمت .
هناك صمتٌ يأتي من الحكمة ، نعم … لكن هناك صمتٌ يأتي بعد أن يتعب الإنسان من الشرح ومن العتاب ومن محاولة أن يجعل الآخرين يفهمون ما لا يريدون فهمه .
يصمت لأنه قال ما يكفي .
يصمت لأنه خُذِل حين تكلم .
يصمت لأنه اكتشف أن بعض القلوب لا تسمع إلا ما يوافق هواها .
ويصمت أحياناً ، لا لأنه لا يملك رداً … بل لأن لديه الكثير منه ، لكنه لم يعد يريد أن يخسر نفسه في معركةٍ لا تستحق .
وأقسى أنواع الصمت ، ذلك الذي يأتي بعد كثرة الكلام .
حين يتحول الإنسان من شخصٍ يحكي كل شيء إلى شخصٍ يكتفي بـ « أنا بخير » .
و حين تتوقف الشكوى ، لا لأن الوجع انتهى ، وإنما لأن صاحب الوجع أدرك أن بعض الأبواب لا تُفتح مهما طرقناها .
فلا تسأل دائماً :
« لماذا صمت ؟»
اسأل أولاً :
« ماذا حدث له حتى أصبح الصمت أرحم من الكلام ؟»
فقد يكون الصمت في ظاهره هدوءاً ، وفي داخله قلبٌ يصرخ .
وقد تكون المسافة التي تراها بروداً ، هي في الحقيقة محاولةً أخيرة للنجاة .
وليس كل من ابتعد متكبراً …
وليس كل من سكت راضياً …
وليس كل من قال « لا بأس » بخير .
أحياناً تكون «لا بأس» آخر ما يستطيع الإنسان قوله ، بعدما استُهلكت كل الكلمات .
ولذلك … لا تستهينوا بالصامتين .
فبعض الذين اعتدنا هدوءهم كانوا يوماً أكثر الناس حديثاً ، لكنهم تعلموا بالطريقة الصعبة أن ليس كل ما نشعر به يُقال ، وليس كل ما يُقال يُفهم ، وليس كل من يسمعنا يعرف كيف يحمل ما نحكيه .
وهناك من لا يحتاج إلى نصيحة ، ولا إلى أسئلةٍ كثيرة ، ولا إلى من يطالبه بأن يشرح ألمه .
يحتاج فقط إلى شخصٍ يجلس بجواره ويحترم صمته ويقول له :
« أنا شايفك … حتى وأنت ساكت »
لأن السلام الحقيقي ليس أن نصمت عن كل ما يؤلمنا .
السلام الحقيقي أن نصل إلى مكانٍ داخلنا ، لا نضطر فيه إلى إخفاء وجعنا كي يبدو كل شيء بخير .
فليس كل صمتٍ سلاماً …
أحياناً يكون الصمت آخر محاولةٍ للقلب كي يحمي ما تبقى منه ، وأحياناً يكون ضجيجاً مؤجلاً … لم يجد بعدُ من يسمعه .



التعليقات على الموضوع