ايمان عوض و نقد لمقال أزمة ١٩٥٤٠ للواء أشرف حماد ٢٥
قراءة تحليلية في نص أزمة 54..الحلقة 25
قضية المدفعية 10
للكاتب اللواء أشرف جمال حماد
بقلم إيمان عوض
يأخذنا الكاتب اللواء أشرف جمال حماد في هذه الحلقة إلى أبعاد جديدة من أزمة سلاح المدفعية، مسلطاً الضوء على طريقة إدارة الصراع بين مجلس قيادة الثورة والضباط المعتصمين، مبيناً كيف خرج عبد الناصر من المأزق باللجوء إلى حيلة جديدة لامتصاص غضب الضباط المعتصمين ،حالما يرتب أوراقه للضرب بقبضته القاضية، خروجا عن كل الاعراف العسكرية وهو ما يتضح فيما يلي:
أولاً.. حيلة جمال عبد الناصر للخروج من ضغط ضباط المدفعية :
يعرض لنا الكاتب ردة فعل ضباط المدفعية واعتصامهم الثائر بقيادة مدير سلاحهم اللواء محمد حسين ،مطالبين الإفراج عن المعتقلين ولم ينفضوا الا بشرط أن يشكل مجلس التحقيق والمجلس العسكري من ضباط ونواب أحكام من سلاح المدفعية نفسه لضمان العدالة
و طالوا بحضور جمال عبد الناصر بنفسه الاجتماع و قطع وعوداً علنية صريحة للضباط باستجابة مطالبهم وكفالة كافة الضمانات لمحاكمة عادلة للمعتقلين، مما دفع الضباط لفض الاعتصام بسلام و ثقة في تلك الوعود والتي تعهد بها جمال عبد الناصر
ثانياً ..انكشاف خديعة عبد الناصر و حنثه بالعهد لاحقاً واعتراف النقيب الجيزاوي :
يعرض لنا الكاتب مقطع من شهادة النقيب الجيزاوي التي أدلى بها لاحقا والتي صرح فيها بأن وعد ناصر لم يكن سوى وسيلة لتخدير أعصاب الضباط وفض الاعتصام، وأن مجلس القيادة جمع بين سلطتي التحقيق والقضاء ليصبح الخصم والحكم معاً
وهنا يتجنب الكاتب من التصريح برأيه في الأحداث و يعرض سرد الأحداث بتوثيق على غرار
...و شهد شاهد من اهلها...
ثانياً.. تحركات المقدم حسنى الدمنهورى وردة فعل مجلس القيادة :
ثم بعرض لنا الكاتب لقطة هامه جدا لموقف ضابط المشاة الجريء المقدم حسني الدمنهوري
ولا ترجع أهميتها للشخص و لا عند جرئته و شجاعته في عدم الوقوف في موقف الصامت المستلم، و لكن ترجع أهمية الموقف إلى كشف سلوك مجلس القيادة في التعامل مع كل من يقف أمامهم فحين ذهب المقدم حسني الدمنهوري يوم 16 يناير إلى رئيس أركان حرب الجيش اللواء محمد إبراهيم للاستفسار عن سبب اعتقال ضباط المدفعية، تلقى رداً صادماً يعكس الوهن الإداري و المهانه بعبارة صريحة أنا طرطور
و في الحقيقة فإن استدلال الكاتب بتلك الجملة المنسوبة لرئيس الأركان التي لها وقع الكوميديا الصادمة..أنا طرطور..
فشر الباليه ما يضحك...
و قد كان الكاتب موفقا جدا في عرض ذلك الحدث إذ أظهرت مدى انهيار الرمز و القائد للسلطة العسكرية وحلول الخوف محلها و نفسية الموظف الذي يمشي بجانب الحائط ..
حسبما يطلق عليها المصريون، مما يعزز مدلول فكرة الانهيار المؤسسات و سيطرة مجلس القيادة تعديا على مبدأ الشرعيه
إذ توجه حسني الدمنهوري إلى معسكر سلاح الفرسان بكوبري القبة ،مستعيناً بشقيقه حسن الدمنهوري - لحث ضباط الفرسان على التضامن مع زملائهم بالمدفعية والضغط على مجلس قيادة الثورة للإفراج عن المعتقلين
وتعد محاولة حسني الدمنهوري لتوحيد المدفعية والفرسان عبور للخط الأحمر الأكبر سياسياً على حد وصف الكاتب ، لأنها تمثل تجسيدا حقيقيا لأكبر مخاوف مجلس القيادة.. وهو تكتل القوى العسكرية في مواجهة مجلس القيادة،الأمر الذي وضعه موضع الهدف المباشر و استوجب التنكيل به
وقد كشف لنا الكاتب بسرده الدقيق عن مدى الهشاشة و الوهن و الصوريه في الإدارة
بالاضافه الى غياب الشفافية و الحنث بالوعود كحيلة دون النظر إلى الشرف العسكري ..
لتسقط الأقنعة عن وجه سياسة الوعود الوهمية التي اعتمدت على التهدئة المؤقتة لتجنب الثورة و المداهمة ثم الانقلاب عليها لاحقاً
كما يبرز بوضوح خطورة محاولات التنسيق الفردي بين الضباط عبر الأسلحة المختلفة لتوازن كتلتي الصراع و زيادة الضغط على مجلس القياده لإجباره على تقديم تنازلات و الإفراج عن المعتقلين..الامر الذي أثار هلع مجلس قيادة الثورة ودفعهم
و قد استند النص إلى شهادات توثقه مثل اعترافات النقيب الجيزاوي، كما نجح في توظيف الجمل التعبيرية مثل ..تخدير أعصابهم، و الخصم والحكم ، إلى جانب توظيف المفردات العسكرية والسياسية مثل سجن الأجانب ورؤس الأشهاد
و يبرز الصراع خيبة الأمل و طلب ضمانة بتقديم جمال عبد الناصر وعود علنية تطمئن الضباط المعتصمين، ليتضح لاحقاً أن هذا الأسلوب يقوم على حيلة التخذير المؤقت ، ليصيب ضباط المدفعية بصدمة نفسية عميقة ناتجة عن الشعور بالغدر والخيانة بعد الحنث بالوعد، وهو ما أثار غصب الضباط مما حدى بالمقدم حسني الدمنهوري إلى التمرد بدافع الشهامة وحماية الرفاق، غير مدرك لحجم الخطورة الأمنيه المسيطرة على اصدار القرار المتمثلة في مجلس القياده عامة و عبد الناصر خاصة، و الذي يعاني من فوبيا التآمر و الانقلاب الذي رأى في أي تضامن أو مطالبة بالحقوق هو تهديداً لوجود مجلس القيادة
و اخيرا فإن النص يعكس النظام القمعي و الاستبداد المحاط بفوببا الانقلاب العسكري مرة أخرى مما حول الجيش إلى ساحة صراع على النفوذ و السلطه ، حيث سعى مجلس قيادة الثورة لاحتكار السلطه وإلغاء التكتلات و مراكز القوى بين الأسلحة المختلفة
كما أن الكاتب اظهر لنا أن السياسة ليس لديها اخلاق فكل شيء مباح في السياسة
حاى اغتيال الحق والحنث بالعهد
و غياب الثقه بين الضباط و مجلس القيادة، ليتحول مصير الضباط بقبضة مجلس القيادة
نص رائع و ننتظر الحلقة الجديدة لنتابع مصير النقيب الجسور حسني الدمنهوري.. و عهد جمال عبد الناصر المنكث



التعليقات على الموضوع