الجزائر في عام الحزن.. من وجع الأطفال إلى نار الغابات بقلم محمد شعبان 🇪🇬
الجزائر في عام الحزن.. من وجع الأطفال إلى نار الغابات
بقلم: محمد شعبان 🇪🇬
الجزائر — حين تتوالى الفواجع على وطنٍ واحد، يصبح الحزن أكبر من حادث، وأعمق من أرقام، وأقرب إلى وجعٍ يسكن قلب أمة بأكملها.
هكذا تبدو الجزائر في صيف عام 2026، بعد سلسلة من المآسي التي توالت في أسابيع قليلة، فتركت خلفها أسرًا ثكلى، وقلوبًا مكلومة، ووطنًا يودّع أبناءه واحدًا تلو الآخر.
في 16 يوليو/تموز، استيقظت الجزائر على فاجعة إنسانية مؤلمة داخل مؤسسة الطفولة المسعفة ببلدية المحمدية في العاصمة، حيث اندلع حريق أودى بحياة 11 شخصًا، بينهم أطفال، وأصاب 19 آخرين.
وكانت تلك الفاجعة الأولى في سلسلة أحزان هذا الصيف، قبل أن تأتي في 31 يوليو/تموز مأساة أخرى في ولاية بومرداس، إثر انحراف وانقلاب حافلة لنقل المسافرين، لترتفع الحصيلة لاحقًا إلى 27 وفاة و42 جريحًا.
ولم يكد جرح الجزائريين يهدأ، حتى جاءت نهاية أغسطس بنارٍ مختلفة؛ نار الغابات التي امتدت إلى عدد من ولايات شمال وشرق البلاد، وفي مقدمتها جيجل وبجاية وتيزي وزو.
وفي أحدث حصيلة معلنة، أسفرت الحرائق عن وفاة 12 شخصًا وإصابة 54 آخرين، بينهم مصابون بحروق خطيرة، فيما واصلت فرق الحماية المدنية والقوات المعنية جهودها لإخماد البؤر المشتعلة وإجلاء العائلات من المناطق المهددة. كما شهدت البلاد تسجيل أعداد كبيرة من الحرائق في عدة ولايات، وسط موجة حر شديدة زادت من صعوبة الوضع.
وفي ولاية جيجل، شُيّعت جثامين عدد من ضحايا الحرائق في مشهد مهيب، بحضور الوزير الأول وعدد من أعضاء الحكومة، في لحظة تختصر حجم الفاجعة التي ألمّت بالجزائريين.
ثلاث فواجع في أسابيع قليلة.
أطفالٌ رحلوا في مأساة دار الرعاية،
وأرواحٌ أُزهقت في حادث بومرداس،
وأسرٌ فقدت أحباءها تحت ألسنة النيران في جيجل وبجاية وتيزي وزو.
ولذلك، فإنني أسمح لنفسي أن أصف عام 2026 بالنسبة إلى الجزائر بأنه "عام الحزن"؛ لا باعتباره تسمية دينية أو تاريخية رسمية، وإنما تعبيرًا إنسانيًا عن كثافة الأحزان التي توالت على هذا البلد الشقيق.
وهو تعبير يستحضر في الذاكرة الإسلامية ما عُرف بـ "عام الحزن" في سيرة النبي محمد ﷺ، وهو العام الذي توفيت فيه السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وعمه أبو طالب، فاشتد البلاء على رسول الله ﷺ.
واليوم، ونحن أمام أحزان الجزائر، لا نملك إلا أن نقف مع هذا الشعب الشقيق بكلمة مواساة، ودعاء صادق، ومشاعر أخوة لا تعرف حدودًا.
فالجزائر ليست وحدها في حزنها.
من مصر، إلى الجزائر، ومن المشرق إلى المغرب، تجمعنا رابطة الأخوة العربية والإسلامية والإنسانية؛ وما يؤلم الجزائر يؤلم كل قلب عربي وإنساني.
نسأل الله أن يرحم جميع من فقدوا أرواحهم في هذه الفواجع، وأن يتقبلهم في رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء، وأن يربط على قلوب أسر الضحايا، وأن يحفظ الجزائر وأهلها من كل سوء، وأن يعيد الأمن والطمأنينة إلى كل بيتٍ أصابه الخوف والحزن.
اللهم إنهم عبادك، فارحم ضعفهم، وتجاوز عنهم، وأكرم نُزلهم، واجعل قبورهم روضات من رياض الجنة.
اللهم احفظ الجزائر وأهلها، وأطفئ عنها نار الفتن والمحن، وأنزل على أرضها برد رحمتك، وسكينة عفوك، وجميل سترك.
ونردد في أوقات الشدة دعاء النبي ﷺ:
"اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربنا..."
اللهم لا تجعل هذا البلاء إلا عابرًا، ولا تجعل الحزن إلا بابًا إلى الصبر والرحمة والتكاتف، وألهم الجزائر وأهلها القوة على تجاوز هذه المحن.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
خالص العزاء والمواساة إلى الشعب الجزائري الشقيق


التعليقات على الموضوع