العقيد محمود سويدان يكتب وصايا جبريل منهاج حياة وشرف المؤمن
وصايا جبريل منهاج حياة وشرف المؤمن
العقيد محمود سويدان 🇪🇬
حديث عظيم ووصايا نبوية جامعة
يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث عظيم يحمل في طياته وصايا جامعة للحياة الدنيا والآخرة. هذا الحديث، الذي رواه الإمام الحاكم في مستدركه وصححه،
الحديث الشريف:
"حَدَّثَنَا زَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ مَرَّةً: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ مَرَّةً: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ" ثُمَّ قَالَ: "يَا مُحَمَّدُ شَرَفُ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ وَعِزُّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"."
شرح الحديث الشريف
جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
"يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت."
هذه الكلمات تحمل تذكرة قوية بحقيقة الموت الذي لا مفر منه لكل حي. مهما طال العمر، ومهما تعددت المتعة، فالموت نهاية حتمية لكل إنسان. هذه الحقيقة تدعو المؤمن إلى عدم الركون إلى الدنيا والغرور بها، بل تدفعه إلى العمل الصالح والاستعداد لما بعد الموت. قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آية 185).
وأحبب من أحببت فإنك مفارقه."
هذه الجملة تذكّرنا بأن كل علاقة بشرية هي إلى زوال. فالحبيب، مهما بلغ قدره في قلبك، سيأتي يوم وتفارقه، إما بموته أو بموتك. هذه الحقيقة تدفع المؤمن إلى عدم التعلق الزائد بالدنيا ومحبوباتها، وأن يجعل حبه الأول والأخير لله عز وجل، فهو الباقي وكل ما سواه فانٍ. قال تعالى في سورة القصص: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (آية 88).
واعمل ما شئت فإنك مجزي به."
هذه الوصية هي جوهر العمل في الحياة الدنيا. فكل عمل يقوم به الإنسان، خيرًا كان أو شرًا، صغيرًا أو كبيرًا، سيجازى عليه يوم القيامة. هذه الكلمات تحمل في طياتها تحفيزًا على فعل الخيرات والاجتهاد في الطاعات، وتحذيرًا من الوقوع في المعاصي والآثام. قال تعالى في سورة الزلزلة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (آية 7 و 😎. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له." (رواه مسلم).
يا محمد شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس."
هذه الجزئية من الحديث تشير إلى ركنين أساسيين من أركان شرف وعزة المؤمن:
شرف المؤمن قيام الليل: قيام الليل هو دأب الصالحين وعبادة الخاشعين. فيه يتجلى صدق العبودية لله، والتجرد من هموم الدنيا، والتوجه بالدعاء والتضرع إلى الخالق. وهو شرف للمؤمن يرفع درجته عند ربه وينير قلبه. قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (آية 79). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل." (رواه مسلم).
عزه استغناؤه عن الناس: العزة الحقيقية تكمن في الاستغناء عن طلب العون من الناس والتوكل على الله وحده. فمن استغنى عن الناس، ووثق بربه، وجد العزة والكرامة. الاستغناء عن الناس لا يعني عدم التعاون أو قطع الصلات، بل يعني عدم إظهار الحاجة والضعف أمامهم، والتوكل على الله في قضاء الحوائج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خير من اليد السفلى." (رواه البخاري ومسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: "تعاففوا عن الناس، فإن من تعفف أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكف كفاه الله." (رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني).
ختامًا
هذا الحديث النبوي الشريف بمثابة منهاج حياة للمسلم، يذكره بالموت ليعد له العدة، وبالفراق ليحفظ قلبه من التعلق الزائد بالدنيا، وبالجزاء ليحسن عمله، ويوجهه إلى شرف قيام الليل وعزة الاستغناء عن الناس. فلنعمل جاهدين لتطبيق هذه الوصايا النبوية في حياتنا لننال رضوان الله والفوز بجناته.
اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك باسمك الأعظم أن ترزقنا حسن العمل، وطول العمر في طاعتك، وحسن الخاتمة. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا إلى النار مصيرنا. اللهم اجعلنا ممن يقوم الليل ابتغاء وجهك الكريم، وممن يستغني بك عن الناس أجمعين. اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.اللهم رب العالمين آمين ،،
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، صلاة تنحل بها العقد، وتنفرج بها الكرب، وتقضى بها الحوائج، وتنال بها الرغائب وحسن الخواتيم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم. عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
والله أعلم





التعليقات على الموضوع