البروفيسور.م. الدكتور عيد كامل حافظ النوقي يكتبسلسلة نهضة الأمة 9
سلسلة نهضة الأمة
المقال (٩)
«من الكهف إلى التمكين: سنن النهضة وبناء الأمة في العصر الحديث».
بقلم الباحث الأكاديمي البروفيسور م الدكتور عيد كامل حافظ النوقي
مقدمة:
لم تكن قصة أصحاب الكهف في القرآن الكريم مجرد حكاية إيمانية عن فتية فرّوا بدينهم، بل هي خارطة طريق للنهضة، ومنهج رباني يرسم للأمم كيف تنتقل من الضعف إلى القوة، ومن الاستضعاف إلى التمكين. إنها قصة تعلّمنا أن النهضة لا تبدأ من وفرة العدد ولا من امتلاك السلاح، وإنما تبدأ من تصحيح العقيدة، وبناء الإنسان، وفهم سنن الله في التغيير.
قال تعالى:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾،(الكهف: 13)
أولًا: سنة الإيمان أساس كل نهضة
أول سنن النهضة التي تؤكدها قصة الكهف أن الإيمان هو نقطة الانطلاق. لم يكن أصحاب الكهف أصحاب سلطان، لكنهم امتلكوا اليقين، فاستحقوا العناية الإلهية.
يقول سيد قطب رحمه الله:
"إن الإيمان هو الزاد الحقيقي في الطريق الطويل، وهو القوة التي لا تُقهر."
(في ظلال القرآن)
والتاريخ يشهد أن كل نهضة فقدت بعدها الإيماني تحولت إلى طغيان، وكل قوة انفصلت عن القيم سقطت سريعًا مهما بلغت من التقدم.
ثانيًا: سنة الثبات أمام الفتنة:
النهضة لا تولد في أوقات الرخاء، بل تتشكل في ساحات الفتنة والابتلاء. أصحاب الكهف واجهوا فتنة الدين، فاختاروا الثبات ولو كلّفهم ذلك الغربة والاختفاء.
قال تعالى:﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
(الكهف: 14)
ويقول ابن كثير رحمه الله:
"هذه سنة الله في عباده الصالحين، يربط على قلوبهم عند الشدائد."
(تفسير ابن كثير)
فلا نهضة بلا ثبات، ولا تمكين بلا صبر.
ثالثًا: سنة العزلة التربوية وبناء الصف
الاعتزال في قصة الكهف لم يكن هروبًا سلبيًا، بل عزلة تربوية واعية لإعادة بناء الإنسان وحماية العقيدة.
قال تعالى:﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾،(الكهف: 16)
وهذه السنة تعلّمنا أن الأمة تحتاج أحيانًا إلى:
_تربية عميقة
_إعداد هادئ
_بناء صفٍّ مؤمنٍ واعٍ
_قبل خوض معركة التغيير في واقعٍ مضطرب.
رابعًا: سنة الزمن في صناعة التحولات:
لبث أصحاب الكهف سنين طويلة، ليؤكد القرآن أن التغيير لا يُقاس بعجلة البشر، بل بحكمة الله.
قال تعالى:﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾،(الكهف: 25)
ويقول ابن عاشور رحمه الله:
"في القصة تعليم للأمة أن التغيير العميق يحتاج إلى زمن وصبر وتدرّج."،
(التحرير والتنوير)
فالنهضة مشروع أجيال، لا نشرة أخبار عاجلة.
خامسًا: سنة البعث بعد السبات:
بعد العزلة والتربية، جاء الانبعاث، ليعلمنا القرآن أن الأمة قد تمر بفترات سبات، لكنها لا تموت.
قال تعالى:﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾،(الكهف: 19)،
وهذه سنة تبعث الأمل في واقعنا المعاصر:
ما دام في الأمة إيمانٌ وصدق، فالبعث قادم، والتمكين ممكن.
سادسًا: من الكهف إلى التمكين في الواقع المعاصر:
الانتقال من الكهف إلى التمكين اليوم يتطلب:
_إحياء الإيمان والهوية
_تربية الإنسان قبل بناء البنيان
_الوعي بالسنن الربانية وعدم استعجال الثمار:.
_إعداد قيادات ربانية واعية
_العمل الجماعي المنضبط بالقيم
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾،(الرعد: 11)
خاتمة:
إن قصة أصحاب الكهف ليست قصة نوم، بل قصة يقظة أمة.
وليست حكاية هروب، بل منهج إعداد وبناء وتمكين.
فمتى فهمت الأمة سنن الله، وسارت في طريقها بثبات،
فإن الكهف يتحول إلى مدرسة،
والعزلة إلى إعداد،
والابتلاء إلى تمكين،
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
اللهم فرجا ومخرجا لأهلنا في غزة والسودان يارب العالمين.

التعليقات على الموضوع