الأديب السيد فريج يكتب وهم الشيزوفرانيا

 

وهم الشيزوفرانيا




الإنسان بين فعل الحرام واستحقاق الثواب

فكرة المخلّص ومفتاح الجنة.. دلالات قرآنية


من أعجب التناقضات التي يعيشها الإنسان أن يريد الجمع بين نقيضين:

حرية مطلقة في الشهوة والسلوك، مع ضمانٍ مسبقٍ للنجاة والثواب.

يريد أن يعيش كما يشاء، ثم يدخل الجنة عبر “كلمة”، أو “تمتمة”، أو “شفيع”، أو “ليلة حظ”، أو “رواية” تمنحه صكّ عبور مجاني إلى الجنة.

إنها حالة من الانفصام القيمي؛ عقلٌ يدرك أن للكون قانونًا أخلاقيًا، لكنه يبحث باستمرار عن ثغرة للهروب من تبعات أفعاله.

فالإنسان حين يخالف قوانين الدنيا يتوقع العقوبة، لكنه في الدين يريد أحيانًا أن يُلغى مبدأ المسؤولية بالكامل عبر فكرة “المخلّص”.

القرآن لم يقدّم النجاة بوصفها يانصيبًا، بل بوصفها نتيجة طبيعية للعمل:

﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

ويقول:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾

ويقول:

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

ويقول:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾

هذه الآيات تؤسس لمبدأ واضح:

النجاة مسؤولية شخصية، لا وكالة دينية، ولا قرابة، ولا وساطة تلغي العدل.

لكن العقل التراثي ـ عند كثيرين ـ حوّل الدين من مشروع أخلاقي إلى مشروع خلاص سحري.

فبدل أن يبحث الإنسان عن إصلاح نفسه، صار يبحث عن “المفتاح المختصر للجنة”.

مرة عبر فكرة “الشفيع” الذي يحمل أوزار الأتباع، وكأن العدل الإلهي يمكن تجاوزه بالوساطة.

ومرة عبر “المخلّص” الذي يضمن النجاة مهما تراكم الفساد والانحراف.

ومرة عبر تحويل ليلة القدر إلى يانصيب كوني، لا ليلة وعي وتغيير.

فترى الإنسان يهجر قيم القرآن طوال العام، ثم يظن أن ليلة واحدة تمحو كل شيء دون مراجعة حقيقية للنفس.

ويبحث عن “ساعة استجابة” لا ليتغير، بل ليحصل على نتائج بلا أسباب، وكأن الدعاء بديل عن السنن والعمل.

بل إن البعض ينقّب في بطون الروايات بحثًا عن جملة سحرية:

“من قال كذا دخل الجنة.”

“من ردّد كذا غُفر له ما تقدم وما تأخر.”

“من فعل كذا ضُمنت له النجاة.”

فتتحول العلاقة مع الدين إلى عقلية صفقات:

أقل مجهود… أكبر مكافأة.

وهنا يفقد الدين وظيفته الأساسية:

بناء الإنسان.

فالقرآن لم يجعل الإيمان ألفاظًا مجردة، بل ربطه بالسلوك والعدل والإحسان والتقوى والعمل الصالح.

حتى الأنبياء أنفسهم لم يُعطوا حق إنقاذ الناس قسرًا:

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾

﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾

﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾

إن القرآن يهدم باستمرار وهم “الامتياز الديني”، ووهم النجاة بالانتماء أو الشعارات أو الطقوس المجردة.

فالذي يظلم الناس، ويأكل حقوقهم، ويفسد في الأرض، ثم يظن أن كلمات محفوظة أو روايات متناقلة ستمنحه الجنة، يعيش انفصامًا بين الفعل والتوقع.

يريد ثواب الصالحين دون سلوكهم.

ويريد نتائج الرحمة دون شروطها الأخلاقية.

ويريد جنةً بلا تزكية.

إن أخطر ما يصيب الوعي الديني أن يتحول الدين إلى مخدّر أخلاقي يطمئن الإنسان إلى أنه ناجٍ مهما فعل، بدل أن يكون قوة يقظة ومحاسبة وإصلاح.

فالقرآن لا يقدّم الجنة بوصفها هبة عشوائية، بل ثمرة لمسار:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

هذا الاقتران يتكرر عشرات المرات؛ لأن الإيمان الذي لا يتحول إلى عمل وعدل وسلوك ليس إيمانًا مكتمل الأثر.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي:

هل يريد الإنسان الدين طريقًا للتغيير، أم مجرد وثيقة تأمين ضد نتائج أفعاله؟

بين هذين الطريقين تتحدد حقيقة الإيمان، ويسقط وهم الشيزوفرانيا الدينية؛

وهم الجمع بين الإصرار على الحرام، واليقين باستحقاق الثواب.


السيد فريج