The coffin Part three and final

 

التابوت 

الجزء الثالث والأخير




بقلم: عبد السميع المصري


وضعوني في مكانٍ ما، نزعوا الغطاء، قيدوا يديّ، وبدأت النيران تشتعل من أعلى، بينما كنت عاجزًا عن الصراخ. شعرت أن نهايتي قد بدأت… الحرق.


لكنني لم أشعر بشيء.


كنت أرى أضواءً خافتة، وأسمع أصواتًا تشبه أجهزة تُصدر إنذارات متقطعة. ظللت هكذا حتى فتحت عيني، فإذا بوجهٍ ملائكي جميل يبتسم لي. كانت فتاة ترتدي روبًا أبيض. قامت مسرعة، أمسكت بيدي، تأكدت من شيءٍ ما، ثم خرجت بسرعة. حاولت أن أناديها، لكن لا صوت خرج من فمي.


نظرت حولي في حيرة، ثم عادت ومعها مجموعة من الرجال. كنت أحدّق في وجوههم محاولًا أن أفهم:


أين أنا؟ هل أنا في الجنة؟


تقدم مني رجل كبير في السن، يرتدي هو الآخر روبًا أبيض، وقال مبتسمًا:


«حمد الله على السلامة».


قلت بصوتٍ واهن:


– أنا… أنا فين؟


قال:


– أنت في المستشفى. كنت في غيبوبة، والآن أنت في الرعاية. اطمن، حالتك مستقرة.


مرت الساعات، وأنا أسمع صوت الأجهزة نفسها التي سمعتها وأنا أُساق إلى النار في كوابيسي. أردت أن أفهم ما الذي حدث، لكن الإرهاق غلبني، فنمت… نومًا بلا أحلام.


مع الصباح، جاءت صاحبة الوجه الجميل مرة أخرى، تبتسم. علمت حينها أنها طبيبة القسم. أخبرتني أنني دخلت في غيبوبة نتيجة تفاعل الخمر مع بعض الأقراص، ما سبب لي حالة هياج وهلوسة، وجعلني أتخيل أشياء لم تحدث. وأوضحت أن التحقيقات أُجريت مع من كانوا معي، وأن هذه الأعراض مؤقتة، وسأستعيد ذاكرتي تدريجيًا بإذن الله.


شكرتها، ثم نظرت إلى سقف الغرفة أفكر:


كيف وصلت إلى هذا الحد من التعب والكوابيس؟


دخل عليّ طبيب آخر وقال إن لديّ زيارة. وافقت، فدخل صفوت. كان القلق ظاهرًا على وجهه.


قال:


– كيف حالك؟ قلقنا عليك جدًا.


قلت:


– أنا بخير… لكني لا أتذكر شيئًا.


أخبرني أنني كنت في غيبوبة عشرة أيام، ثم قصّ عليّ ما حدث باختصار: كيف كنت أصرخ وأتوهم أشياء مخيفة، وكيف اتصلت الخادمة به، وكيف جاءت الإسعاف ونُقلت إلى المستشفى. وأكد أنني كنت قد شربت كثيرًا، وتناولت قرصين من دواء وجدوه معي، وأنه أبلغ الأطباء بكل شيء.


سألته عن الفتاة، فقال إنه لا يعلم عنها شيئًا، لأنه كان منشغلًا بي. طمأنني الطبيب لاحقًا، وأخبرني أنني سأُنقل إلى غرفة ملاحظة.


وبالفعل، انتقلت إلى غرفة عادية، وتوافد الأهل والأصدقاء للاطمئنان عليّ. لكن قلبي كان مشغولًا بالخادمة. وعندما جاءت، فهم صفوت ما أريده، فطلب من الجميع المغادرة بحجة الراحة.


جلست الخادمة بجانبي، أمسكت بيدي وقالت:


– حمد الله على السلامة.


شكرتها، وسألتها أن تحكي لي كل ما حدث. دخل صفوت وجلس معنا، وبدأت الخادمة الكلام:


قالت إنها عندما صعدت لتجهيز الفتاة، رأت نورًا غريبًا يخرج من وجهها، فلم تستطع الاقتراب منها، ودعت الله أن يهديني. ثم رأتني أخرج من الغرفة أصرخ، أتحدث إلى الكراسي كأنها فتيات، وأحيانًا أكلمها وكأني أعرفها. فاتصلت بصفوت، ثم جاءت الإسعاف.


بعد نقلي، صعدت إلى الغرفة لتجد الفتاة في حالة إعياء شديد. وبمساعدة الطباخ والبستاني، نقلوها ووضعوها على الرصيف، وأوقفت سيارة، ومنها إلى المستشفى. ذهبت معها للاطمئنان، ورأت صفوت هناك دون أن يرَها. تابعت حال الفتاة حتى تعافت، وتم استدعاء أهلها، ثم خرجت بسلام.


أنهت الخادمة حديثها وهي تبكي، فقلت لها:


– الحمد لله أنني لم أرتكب معصية. سامحيني يا دادا. أوعدك أكون إنسان جديد. اللي شُفته مش هيّن. لو لقيتيني برجع للطريق ده، امنعيني.


بكت وقالت:


– دي أول مرة أشوفك كده… وأول مرة تناديني «دادا» زي زمان.


دخل صفوت، وطلبت منه أن يساعدني على التغيير، فوافق بحماس. وجاء الطبيب وأخبرني أنني سأخرج خلال يومين.


وبينما كنا نتحدث، فتحت دادا الباب وقالت بسعادة:


– تسمح لي؟ في زيارة.


وكان خلفها آخر شخص توقعت أن أراه…


إنها هي. صاحبة الوجه الملائكي.


تقدمت وسلمت عليّ قائلة:


– ألف سلامة.


قلت:


– الله يسلمك.


عرّفتها دادا:


– دي أستاذة نرمين.


جلست بخجل، ثم همّت بالانصراف. شعرت بشيءٍ يشدني إليها، فمددت يدي وقلت بعينين دامعتين:


– ما تسيبينيش… ممكن أموت لو بعدتي عني.


ارتبكت، لكنها وعدتني بلقاء آخر، وطلبت رقم الهاتف. ابتسمت وقالت:


– مع دادا.


غادرت، وتركتني أطير فوق السحاب… بلا أجنحة.


قلت لصفوت ودادا:


– أنا عايز أتجوزها. عايز أغير حياتي. هي كانت سبب نجاتي.


وافق صفوت، وقال:


– لازم الأول تعطي كل ذي حق حقه.


وبدأ وائل صفحة جديدة: اعتذار، تعويض، وتوبة صادقة…


ليبدأ حياة جديدة مع من أنقذته من الهلاك.