الأديب السيد فريج يوميات الخال ح ٤ مصر
يوميات الخال
الحلقة الرابعة
..يستطرد: "كان عمي عبد العليم يؤدي عمل عشرة أشخاص، نظافة المدرسة يساعده أفراد أسرته، يضرب الجرس بالثانية دون أنْ ينبهه أحد، يوزع الحبر على المحابر لجميع الفصول، يتابع الطابور ويشارك في النظام، يوزع التغذية بلا تفرقة أو محاباة أو شكوى، يحافظ على العهد ويحرس المدرسة ليلًا، والمهمة الأعظم إعداد الفلكة والعصاة لتوقيع العقاب الذي قرره المعلم، وبزياده يقضي طلبات المنزل لحضرة الناظر، بالفعل كان مبهرًا، ولا أنسى تلك المرأة التي كانت تساعد في النظافة وإحضار المياه من الترعة لملء الأزيار، حيث يتم ترويقها بالشبة لإعدادها للشرب من النقاطة، المعلم غير متخصص؛ يُدَّرس كل المواد، معلم فصل، الشيخ محمود أبو بكر رجل مهيب ملتحٍ مرتديًا الجبة والعمة، (صباح الخير أبنائي) يرد البعض والآخرون لا يدركون، (هذا العام سأعلمكم القراءة والكتابة والحساب). بالطباشيرة والسبورة يعلمنا الأرقام بطريقة بسيطة "الواحد زي النبوت، والخمسة زي الكعكة، والسبعة بصَّة لفوق وهكذا"، نسيت عمي عبد العليم كان له أيضًا مسؤولية أمنية؛ إذ هو المنوط به إحضار الغائبين ومتابعة أسباب الغياب مع أولياء الأمور عليه رحمة الله، كان يؤدي عمله الشاق والابتسامة تملأ وجهه، ذكرتني بالقلم البسط والخط العربي الجميل، كانت أيام عليهم رحمة الله جميعًا، تعليم جيد بإمكانيات متواضعة، فقط التفاني والإخلاص والجدية والخوف من العقاب، كنت مجتهدًا الألفة على الفصل خمسة وعشرون تلميذًا وتلميذة، رحلوا جميعًا ولم يبق على قيْد الحياة سواي واثنان آخران فقط"، قاطعته "أدام الله عمرك"، ابتسم وأكمل "ورغم لهو المدرسة وانشغالنا بالتعليم لم أنسَ المرحومة أمي لحظةً واحدةً، كنت وشقيقتي نبكيها كثيرًا، التغذية المدرسية يأتي بها مقاول التغذية؛ فول مدمس، وعدس، وحلاوة طحينية، وجبنة بيضا، مع الخبز، والبرتقال، والموز، ولم نسمع أبدًا عن تسمم أو غش، كان هناك ضمير، كانت أيام المجتمع فيها متماسك، والفساد يكاد أن يكون غير موجود رغم الطبقية بحملها الثقيل والتمايز بيْن أفراد القرية، إلَّا أنَّه وبحقٍّ سادها قيَّم وعطف واحترام. كل حاجة راحت كل حاجة راحت، وكأن القدر يرتب أمورًا لا تتوقعها ولا يمكن أنْ تمنعها، حين وصولي الدار التي أتذكَّر كل وصفها وتفصيلاتها، حتى الشرخ في الجدار القبلي، الموت يداهمنا مرة أخرى ليحصد ابنة عمي، والتي كانت تكبرني بأعوام، صبية في ريعان الصبا، وكم حزنت لأجلها ولا حول ولا قوة إلا بالله، أكيد يا باشمهندس تعرف شكل الدور وقتها"، وأجبته "هذا صحيح، فأنت تكبرني بخمسة عشر عامًا تقريبًا أطال الله عمرك"، يكمل "كانت دارنا نصفها من طوب القميمة، والنصف الآخر من الطوب اللبن، وجميعها مسقوفة بالخشب، المندرة البحرية للضيوف، وباب الوسط، والقواعي، وغرفة المعيشة، ومطر الغلال، وصندوق العيش، الفرن والمزيرة والمحم والمرحاض بوضعيته غير الصحية رغم أنَّه كان ميزة كبيرة في ذلك الزمن، حيث كثيرين يقضون حاجتهم بالخلاء. كانت الطيور تملأ البيت وجحور الأرانب وبرج الحمام وحظيرة المواشي، الخير كتير، بقينا في زمن الفرخة البيضا التي لا تعرف من منظرها أماتت أم على قيْد الحياة وخبز الطابونة والزيت والسمنة النباتين"، "خالي، هذا الذي تذكره الآن صار ترفًا، ربنا يلطف بالناس"، ورغم أن الوقت قد تأخر إلَّا أني تحرجت أن أخبره بضرورة انصرافي، ولا أُخفي عليكم كنت مستمتعًا بحكيه، فهو شهادة للتاريخ...
إلى اللقاء في الحلقة الخامسة إن شاء الله...
السيد فريج
م. ق. ليلى واوراق مبعثرة، دار كتبنا القاهرة ٢٠٢١

التعليقات على الموضوع