"الهزيم" بين الرمز والوجود: قراءة تحليلية فلسفية في نص محي الدين حافظ

 

"الهزيم" بين الرمز والوجود: قراءة تحليلية فلسفية في نص محي الدين حافظ



بروفسير منال الشربيني  مصر 🇪🇬



يدور النص حول شخصية "الهزيم" – رجل وحيد يعيش تجربة يومية رتيبة، يعود من عمله؛ ينخرط في تأملٍ دائم، متكئًا على فكرة "النقطة في الفراغ" التي ترمز إلى الأمل، أو إلى منتهى الذات. يعيش صراعًا داخليًا بين ما آمن به طوال حياته، وبين واقع خذلانه، وخيانة من حوله. لكنه في النهاية يظل متمسكًا بالقيم العليا: الكلمة، والإيمان، و القلم.

هنا أبدأ على غير عادة النقاد ببيت هزني بشدة، وأحسبه يفعل ذلك مع كل قارئ متفاعل، وكل ذي قلب ووعي.

يقول حافظ:

وتذكر نصيحة أمه كلما تملكت

الهزيمة من أوصاله:

“ قم يا هزيم الرعد” 

هذه الأبيات المنثورة كفيلة بأن تخبرني بكل ما قالته الذات الشاعرة، وما عانته، ولمَّا تزل تعانيه، إلى أن استدعى صوت أمه، الذي اقتحمه بشدة ليشدد من أزره، ويذكّره بقوته وعزيمته، وما مضى من عهده كقائد ترضخ لقوته المعارك، ويحالفه الفوز أينما حلّ.

 في البدء، أتوقف قليلًا عند لقب "هزيم الرعد"، الذي يعود إلى اسم عربي لشخصية كارتونية شهيرة جدًا؛ وهو النسخة المعربة من شخصية Lion-O في مسلسل الأنمي الياباني ThunderCats، أو كما جاء في النسخة اليابانية الأصلية Ginga Sengoku Gun'yūden Rai (Yatate, 1991).

يُعد "هزيم الرعد" قائدًا شجاعًا ونبيلًا يتمتع بإحساس قوي بالعدالة وروح قيادية فطرية رغم صغر سنه البيولوجي. بصفته القائد، يتحمل مسؤولية حماية فريقه واتخاذ القرارات الصعبة بحكمة ورحمة وإخلاص، ملؤه الشجاعة والعدالة في معركتهم ضد الشر.

 يبرز "هزيم الرعد" في نص حافظ النثري على وجهين: يرمز فيه الأول إلى قوة كامنة في وعي البطل، تحثه على النهوض والمواجهة كلما انهار.

 ويرمز الثاني، عبر إحالة ثقافية، إلى شخصية "هزيم الرعد" في مسلسل الأنمي الياباني المعروف، وهي شخصية تقاوم الظلم وتخوض المعارك بروح ثائرة (Yatate, 1991). وهنا، لا بد من توثيق أن "هزيم الرعد" في التراث العربي يرمز إلى صوت العدل الإلهي القادم بعد صبر، وهو مرتبط بالنبأ أو النذير، بينما يمثِّل في الثقافة الشعبية التمرد على الفشل، والنهوض بعد الكبوات.

يقول حافظ أيضًا:


ناظرا إلي أعلي إلي فراغه السرمدي

 الا نهائي باحثآ عن نجمته 

التي يحكي لها كل يوم حكايته

 ممنيا نفسه أن يكون فراغه 

ممسكا قلم يدون به ذكرياته

 بعد أن ارتعش قلمه

 ولم يعد يقوى إلا بالبوح

 لنجمته السماوية 

ترمز النجمة السماوية إلى المرشد الروحي، أو الحبيب المفقود، أو الأم (بما أن النجمة تحضر في لحظات القهر واليأس، كما كانت تفعل الأم بنصيحتها). كما ترمز إلى الضمير النقي أو المثال الأعلى (Ideal self)، الذي يسكن البطل ويقوده، وفي الأدب الغربي غالبًا ما ترمز إلى "القدَر" أو "الوجهة العليا"، كما عند دانتي الذي ينتهي بـ"النجوم" في الكوميديا الإلهية بينما في الشعر العربي، كثيرًا ما تشير النجمة إلى الحبيب الغائب (كقول نزار قباني: "أنظر في النجمة... فأراك").


تحمل "النجمة السماوية" رمزية غنية ومتنوعة عبر مختلف الثقافات والعصور. فهل قصد الشاعر هنا نجمة الحضارات القديمة، في بلاد ما بين النهرين، حيث ارتبطت النجوم، وخاصة النجمة ذات الثمانية رؤوس، بآلهة مثل عشتار (إنانا)، إلهة الحب والخصوبة والحرب. كما مثلت القوة السماوية وربطت بالملوك والحكام، أم ارتبط بنجمة مصر القديمة، التي ارتبطت النجوم بالحياة الآخرة، حيث كان يُعتقد أنها أرواح الموتى تبحر في السماء أو تهديهم إلى الجنة. وقد مثلت الهيروغليفية للنجمة الخماسية "الصعود نحو السماوات" . هل يقصد  نجمة كلٍّ من اليونان وروما القديمتان، التي غالبًا ما ارتبطت لديهم النجوم بالآلهة والإلهات، حيث مثلت الكوكبات شخصيات أسطورية. وقد رمزت إلى المعرفة والإلهام والهداية الإلهية، وربطت بآلهة مثل أبولو (إله النور)، أم قصد نجمة الصين القديمة، التي لعبت النجوم دورًا حاسمًا في علم التنجيم، حيث أثرت على القدر والثروة. وقد تم تطوير تقاويم مفصلة بناءً على الحركات السماوية.


في الواقع، جاءت دلالات النجمة السماوية كثيرة عبر هذا النص، مما يؤكد أن الشاعر كان يقصد كل ما سبق متكأً على دلالات النجمة التي تعني في اليهودية نجمة داود السداسية (ماغن دافيد) هي رمز مركزي، تمثل اتحاد السماء والأرض وتخدم كرمز للحماية والهوية. وهي في المسيحية: نجمة بيت لحم، التي غالبًا ما تصور كنجمة ذات ثمانية رؤوس أو مذنب، ترمز إلى ميلاد يسوع المسيح وتخدم كعلامة للأمل والألوهية والمعجزات والاتجاه والهداية. كما استخدم المسيحيون الأوائل النجمة السداسية كرمز لله، يمثل الثالوث في الخليقة، ونجمة الإسلام، التي غالبًا ما تقترن بالهلال، رمزًا معترفًا به على نطاق واسع، على الرغم من أن ارتباطها التاريخي بالإسلام معقد ومحل نقاش. يمكن للنجمة ذات الثمانية رؤوس (الخاتم) في الفن الإسلامي أن ترمز إلى عرش الله والمجتمع المسلم، وغالبًا ما تصور الهندوسية النجوم على أنها مسكن الآلهة والإلهَات، وترمز إلى التنوير والطبيعة الأبدية للروح. وتمثل النجمة ذات الثمانية رؤوس (أشتا لاكشمي) الأشكال الثمانية للإلهة لاكشمي، المرتبطة بالحظ والوفرة. وفي ثقافات الأمريكيين الأصليين، غالبًا ما يُنظر إلى النجوم على أنها مرشدين روحيين، وأجداد يراقبوننا، ورموز مرتبطة بدورة الحياة والطبيعة. على سبيل المثال، تمثل نجمة " ميك ماك" ذات الثمانية رؤوس الشمس والمناطق المختلفة.


لم يُشِرْ الشاعر إلى النجمة هنا عبثًا، بل هو يعلم أين وكيف يضع كلماته بعناية، وتنصاع له اللغة، يطوعها كيفما يشاء، وهنا تكمن براعة  النص، وهو إنما يرسخ لنا موسوعية فكره، واطّلاعه، والتراكم المعرفي الدلالي لديه، وقدرته على اختزال التاريخ في كلمة أو عبارة، إذ إنه، على مر التاريخ، كانت النجوم ضرورية للملاحة، حيث وجهت المسافرين عبر مسافات شاسعة براً وبحراً. وقد اكتسب النجم القطبي (بولاريس) أهمية خاصة كنقطة مرجعية ثابتة. أثرت الملاحظات السماوية أيضًا على الممارسات الزراعية، مما ساعد المزارعين على تحديد مواسم الزراعة و التنبؤ بأنماط الطقس.


لطالما كانت النجوم مصدر إلهام دائم في الفن، حيث مثلت الأمل والأحلام والطموحات والهداية والتنوير والروحانية. ويُنظر إليها على أنها منارات نور في الظلام. غالبًا ما ترمز النجوم في الأدب إلى القدر والمصير والأهداف التي لا يمكن تحقيقها واتساع الكون.


باختصار، تجاوزت "النجمة السماوية" معناها الحرفي لتصبح رمزًا قويًا ومتعدد الأوجه عبر الزمان والثقافات، حيث مثَّلت مفاهيم تتراوح من الإلهي والحياة الآخرة إلى الهداية والأمل والطموح الشخصي. تُرى! أي سياق يقصد شاعرنا، هذا المتمرد، العبقري، هل يقصد البعد التاريخي والثقافي والديني الذي تُستخدم فيه، أم هم جميعًا، الأغلب أنه يضع القاريء في مأزقٍ معرفي، فحوله أن "اقرأ"، و" تكلم كي أعرفك".


أما "الفراغ السرمدي"، بما له من دلالات فلسفية ووجودية عميقة، فهو يُحيل إلى الكون اللامتناهي أو العدم الذي يتأمل البطل فيه وجوده، ويواجه فيه أسئلته المصيرية. وهو كذلك مكان رمزي يحوي الأمنيات غير المتحققة، والاستبطان النفسي، ويمثل الفاصل بين الروح والواقع.


وهو في هذا المفهوم يتماس ما طرحه مارتن هايدغر في تحليله للوجود مقابل "العدم"، حيث أن مواجهة العدم تكشف معنى "الوجود الأصيل". والفراغ في الفلسفة الصوفية، ليس انعدامًا، بل حضرة قابلة للتجلي، وهو مذكور عند ابن عربي بوصفه "العدم الذي تظهر فيه الحقائق".


هذا، ويؤكد تكرار عبارة" الفراغ السرمدي" في النص أنها ليست مجرد خلفية بل فضاء شعوري رمزي، يجسّد الوعي الفردي المتأمل في ما وراء المادة. وهو الفضاء الذي تظهر فيه النجمة، وتُستدعى فيه الذكريات، ويكتب فيه البطل وصيته الروحية.


هنا تتقاطع دلالاته مع "اللاشعور الجمعي" كما طرحه كارل يونغ، حيث تتجلى الرموز الكبرى في صور متكررة تتجاوز الواقع الفردي ،و الوعي الكوني المرتبط بمفهوم "الأثير" أو "الحضرة"، كما في الفلسفة الصوفية.


المصادر:

Yatate, H. (Writer). (1991). Ginga Sengoku Gun'yūden Rai [Anime series]. Sunrise Studio.

 Dante Alighieri. (2003). The Divine Comedy (M. Musa, Trans.). Penguin Classics.

Yatate, H. (Writer). (1991). Ginga Sengoku Gun'yūden Rai [Anime series]. Sunrise Studio.

 Heidegger, M. (1962). Being and Time (J. Macquarrie & E. Robinson, Trans.). Harper & Row.

 Jung, C. G. (1964). Man and His Symbols. Doubleday.