الأديب السيد فريج موت عظيم 🇪🇬

 

موت عظيم



برأسٍ فقَدَ الشَعرَ

وعيْنيْنِ قَد ذَبُلا

وفمٍ خَسِرَ الأسنانَ

ولسانٍ ثَقُلَ

قد أعيَّاهُ كلامٌ

لمْ ينقطع منذُ زمان

وأذنيْنٍ صَمَّهُمُ 

ما سمِعُوا من بُهتان

وعُنُقٍ لمْ يَقوَ

أن يحملَ رأسًا

أثقلُها الأحزان

وظَهرٍ أحنَتهُ الأثقال

وقدميْنِ إختصما

أحدُهُما تسحبُها الأُخرى

لمْ تفقد بعدُ حنان

وعصاةٍ أحملُها على كَتِفٍ

لمْ يجرؤ أنْ يعترضَ

أو يُعلِنَ عَن عِصيان

وصُرةِ هلاهيلٍ مربوطة

بحبلٍ مِن كِتَّان

وفي اليَدِّ الأُخرى

أتَوَكَأُ بعصاةٍ أُخرى

وبقايا مِن ذكرى

أيامٍ ولَّت 

لمْ تترك غيْرَ الأوهام

وقد ذهَبَ أكثرُها

طِىَّ النِسْيان

أتذكرُ رجلًا مسكينًا

يحملُ فوْقَ كَتِفيّهِ

كَوْمَةَ أبناء 

أصغرُهم سامي

وأكبرُهم عثمان

والأوسطَ والأكبرَ مِنهُ

والأصغر 

لا أذكرُ أو أتذكر 

أنْ كانوا إناثًا أم فِتْيان

وحتى مَن بَقِيَ حيًا

أو مَنْ أذهبهٌ النِسيان

 وَهِنَت أقدامي 

والمطرُ غزير 

وجِلدٌ جافٌ 

لايستشعرُ بَردًا 

أو أمطار 

وجَسَدٌ يَرفُضُ أيَّ طَعام 

يرفضُ أنْ يُعلنَ.. 

أنْ بهِ عطشٌ أو هُزلان

أتذكرُ دارًا 

بجِدارٍ ضخمٍ متهدِّم

بهِ شِباكٌ مِنْ أخشاب

يُدعَى الدُكَّان

يبيع السُكرَ والأنشوجَةَ 

والدُخَّان 

أتذكرُ كَلبَةَ حمزة

وماعزَ عبدِ الباقي

وبقرةَ عَسْران 

أمسكتٌ بطفلٍ أسمر 

يُدْعَى سِماعين

إبن حُسَيْنِ الطَيِّبِ

إبن نَفِيسة 

إبنةِ وهدان

أسْنِدُ رأسي للحائطِ

متمدِّدُ متقدِّد

وكأنِّي خَشبةُ صِفصَاف

كُلِّي يتألم 

ورأسي تُثقِلُها الأيَّام

ورغبةُ جارفةُ 

أنْ أحكي لإبنِ حفيدي

تاريخَ الأجْدَاد

لا أتذكرُ شيْئًا أو أذكر

وقد أعيَاني التفكير

وبيْنَ بُكاءٍ ونحيبٍ

يحفرُ سِماعين 

و يقولُ أيّ جِدِّي

وكأنَّكَ ستموت 

وأعيشُ الوَحدَةَ 

والقَسْوَةَ 

والحِرمان 

أسِفتُ لأجلِه

نَزِلتُ الحُفرةَ

وظللتُ أحتضرُ

سِتةَ إيام. 

ويكملُ سِماعين.. 

اليوْمُ دفنتُ عظيم

ووضعتُ أعلاهُ 

كوْمةَ طينٍ وتُراب

وأقمتُ أكثَرَ مِن شاهد

وحملتُ عَصاهُ

معَ الهلاهيل 

وأقسمتُ برأسِه

وحياةٍ أقساها

أنْ ماتَ تاريخ

أقسمتُ.. 

أنْ أُكمِلَ ما بَقِيَ

مِنْ مِشوارِه!

بشوْقٍ وحنين


السيد فريج

                  Newyork times Arabia