معز مانى يكتب العبرة ليست في المشاركة تونس 🇹🇳
العبرة ليست في المشاركة
قراءة في ثقافة التبرير وهزيمة العقل العربي
الانسحاب المشرّف .
بقلم معز ماني تونس 🇹🇳
"المهم أنك شاركت"، "لا بأس، فقد بذلت جهدك"، "النية أهم من النتيجة"، عبارات ردّدت على مسامعنا منذ الطفولة، وسكنت أعماق وعينا الجمعي حتى باتت جزء ا من بنيتنا الثقافية.
نشأنا نحتفي بالمحاولة دون مساءلة، نكرم المهزوم كأنما هو المنتصر، ونتلو قصائد المديح على الفاشل كما لو أنه أحرز المجد.
لكننا كبرنا، ففتحنا أعيننا على عالم لا يعترف إلا بالنتائج، نظرنا شرقا وغربا، فوجدنا الآخرين يصنعون ويبتكرون ويتقدمون، بينما نحن ننزف في كل مؤشرات التنمية، وننحدر في سلم التنافسية، ونتقهقر علميا واقتصاديا واجتماعيا.
سألت نفسي مرارا، لماذا ننهزم في كل شيء؟ لماذا لا نجد اسما عربيا واحدا على دواء عالمي؟ ولا جامعة عربية في المائة الأولى؟ ولا براءة اختراع من طفل عربي تدهش العالم كما يفعل أطفال كوريا وفنلندا وسنغافورة ؟
الجواب ليس بسيطا، لكنه يبدأ من هناك، من حيث بدأوا هم، ومن حيث اخترنا نحن أن نتوقف، من الثقافة.
ثقافة المشاركة ، مقابل ثقافة الإنجاز .
في الغرب، تربى الأجيال على أن الهدف من المحاولة هو الإتقان، وعلى أن الفشل محطة للتقييم والتحسين، لا غاية يحتفى بها، الطفل هناك يفهم منذ الصغر أن المحاولة لا تساوي النجاح، وأن الجائزة لمن يحقق النتيجة. أما نحن، فكرسنا عبر أجيال متلاحقة ثقافة رمادية، تساوي بين المشاركة والإنجاز، وتلغي قيمة التنافس، وتشيطن التميز الفردي بدعوى "الروح الجماعية".
نتيجة هذا التوجه التربوي الخاطئ، نشأ جيل لا يخشى الفشل، بل لا يرى فيه مشكلة أصلا، لأنه في كل الأحوال سيحصل على التقدير، أصبح الحضور كافيا، والجدية ترفا، والانتصار تهمة.
مؤسساتنا التعليمية : وأزمة العقم المعرفي .
إن التعليم هو الجسر الوحيد لعبور المجتمعات نحو التقدم، لكن هذا الجسر قد تآكل في عالمنا العربي. فجامعاتنا، رغم كثرتها، تفتقر إلى المعايير العالمية، وتدار بروح البيروقراطية لا روح البحث والاكتشاف، غابت روح المبادرة، وجففت منابع الحرية الأكاديمية، واستبدل التنافس الشريف بالمحاباة والمجاملات.
ما معنى أن تكون لدينا آلاف الجامعات ولا واحدة منها في ترتيب أفضل 100 أو حتى 200؟، ما معنى أن نستورد التقنية من الهند وتايوان، ونحن ندعي أننا أصحاب أول حرف وكتاب؟ ما الذي فعلناه منذ بيت الحكمة؟ لماذا توقفت العقول عن الإنجاز، وكفت الأيدي عن الابتكار؟
غياب مشروع حضاري عربي موحد :
الأمم لا تنهض بعشوائية، النهضة مشروع سياسي وثقافي وعلمي واجتماعي متكامل، والدول التي قفزت قفزات تنموية كبرى، مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا، وضعت رؤى واضحة، وتبنت خططا طويلة الأمد، وراكمت المعرفة والتكنولوجيا.
أما في عالمنا العربي، فلا يوجد حتى الآن مشروع حضاري جامع يحدد هويتنا المعرفية ويعيد صياغة علاقتنا بالعلم والإنتاج.
تهدر ثرواتنا في الاستهلاك، وتهمش الكفاء ات، وتستورد الحلول الجاهزة دون أدنى تكييف مع بيئتنا، وتبقى المشاريع الكبرى رهينة الطموحات الفردية لا الرؤية الاستراتيجية.
النخبة وصناعة الخضوع لا النهضة :
كان يفترض بالنخب أن تقود المجتمعات نحو التنوير، لكن جزء ا كبيرا من النخبة في عالمنا العربي تحول إلى أداة لصناعة التبرير بدل صناعة الوعي، كما يتم ترسيخ خطاب يكرس الخضوع للواقع بدل مقاومته، ويروج لفكرة "الخصوصية الثقافية" ذريعة للتقاعس، ويقنع الجماهير أن ما لدينا كاف، وأننا ضحايا مؤامرة دائمة لا ضحايا فشل ذاتي.
هكذا تكلس العقل الجمعي، وأصبحت مفردات مثل "الابتكار" و"التنافسية" و"الريادة" مصطلحات نسمعها في المؤتمرات، لا نلمسها في واقعنا.
هل من سبيل للخروج ؟ .
النقد لا يثمر ما لم يقترن برؤية، ولهذا فإن الخروج من هذا النفق يبدأ بثورة ثقافية شاملة ،تعيد تعريف النجاح والهزيمة، وتستبدل "المشاركة" بـ"الإتقان"، وتضع التعليم في مركز المشروع الحضاري.
يجب أن نحرر العقل العربي من عقدة التفوق الوهمي، ونعيد بناء الشخصية العربية على قيم العمل، والمسؤولية، والتقييم الصارم.
نحتاج إلى إعادة صياغة علاقتنا مع الزمن والعلم، وإلى بناء منظومات معرفية لا تعتمد على النقل والتلقين، بل على التجريب والإبداع، نحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيمة الفرد المبدع، وإلى إطلاق الحريات الأكاديمية، وتكريم الإنجاز لا الشهادات الفارغة.
إن الشعوب لا تهزم لأن الآخرين أقوى، بل لأنها قررت أن تتوقف. ونحن، في عمق وجداننا، توقفنا يوم اقتنعنا أن "العبرة بالمشاركة". أما الأمم الصاعدة، فقد واصلت السباق حتى بلغت القمة، لا لأنها تملك موارد أكثر، بل لأنها آمنت بأن العبرة بالنتيجة، وبأن الهزيمة ليست قدرا، بل خيارا.
لقد آن الأوان لنكف عن ترديد المقولات التي تخدر العقول، ونبدأ بالتفكير الصارم، المؤلم، المربك أحيانا، لكنه وحده الكفيل بأن يصنع فجرا عربيا جديدا متى ما قررنا، فعلا، أن ننتصر، فهل سيأتي هذا اليوم ؟
أم يكون معجزة الإلهية ؟
🇹🇳






التعليقات على الموضوع