د عيد النوقي يكتب الدولة الرسولية في اليمن

 

ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد




المقال :"70"


"الدولة الرسولية في اليمن: عصر الازدهار, والعلم ,والحضارة".


بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.


مقدمة:


حين يُذكر تاريخ اليمن الإسلامي، تتجه الأنظار إلى دولٍ تركت بصماتٍ عميقة في السياسة, والعلم ,والعمران، ومن أبرزها الدولة الرسولية التي حكمت اليمن أكثر من قرنين من الزمان، فمثلت واحدةً من أعظم الدول الإسلامية في جنوب الجزيرة العربية, وقد استطاعت أن تجمع بين قوة الإدارة، وازدهار, الاقتصاد، ورعاية العلم، وبناء المؤسسات الحضارية، حتى عُدَّ عصرها من أزهى عصور اليمن الإسلامية.


أولا:نشأة الدولة الرسولية:


نشأت الدولة الرسولية بعد ضعف الدولة الأيوبية في اليمن،وينتسب بنو رسول إلى أسرة حكمت باسم الأيوبيين، ثم استقلوا بالحكم تدريجيًّا.


ويُعدُّ الملك المنصور عمر بن علي بن رسول المؤسس الحقيقي للدولة سنة 626هـ/1229م، بعد أن تمكن من توحيد أجزاء واسعة من اليمن، وإرساء دعائم الحكم المستقل.


وقد اتخذت الدولة من مدينة تعز عاصمةً رئيسة لها، كما كانت زبيد من أهم مراكزها العلمية ،والثقافية.


(إسماعيل الأكوع:1985م، اليمن الخضراء مهد الحضارة، دار الفكر، دمشق، 1985م.).


ثانيا:الموقع الجغرافي، وأهميته:


امتدت الدولة الرسولية على معظم أراضي اليمن الحالية، وشملت تهامة، وتعز، وعدن، وصنعاء في فترات مختلفة.


وكان موقع اليمن الاستراتيجي على طرق التجارة البحرية بين الشرق، والغرب أحد أهم عوامل قوة الدولة، إذ سيطرت على موانئ مهمة، أبرزها:


عدن.


المخا.


زبيد.


وقد ساعد ذلك على ازدهار التجارة الدولية وزيادة موارد الدولة المالية.


ثالثا:أبرز سلاطين الدولة الرسولية:


1)الملك المنصور عمر بن علي: (626-647هـ)


يُعد المؤسس الفعلي للدولة.


ومن أبرز إنجازاته:


تثبيت أركان الدولة.


توحيد أجزاء اليمن.


إنشاء نظام إداري مستقر.


تنظيم الجباية والمالية العامة.


2) الملك المظفر يوسف بن عمر: (647-694هـ)


يُعد أعظم سلاطين بني رسول.


ومن أعماله:


توسيع حدود الدولة.


تنشيط التجارة الخارجية.


تشييد المدارس والمساجد.


دعم العلماء والفقهاء.


وقد شهد اليمن في عهده ازدهارًا اقتصاديًّا وحضاريًّا غير مسبوق.


3) الملك الأشرف إسماعيل:


اهتم بالعلم والأدب.


ومن آثاره العلمية كتابه المشهور:


"طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب".


4) الملك الأفضل العباس:


كان من أكثر سلاطين بني رسول عنايةً بالإدارة ،والاقتصاد، وعمل على تطوير الموانئ ،والأسواق.


رابعا:مقومات قوة الدولة الرسولية:


١) الموقع التجاري:


استفادت الدولة من إشرافها على طرق التجارة العالمية بين الهند ،وشرق إفريقيا، ومصر والشام.


٢) الإدارة القوية:


أنشأ الرسوليون جهازًا إداريًّا متطورًا قياسًا بعصرهم، وتنوعت الدواوين الحكومية.


٣)الاستقرار السياسي:


تمتع اليمن خلال فترات طويلة من حكم بني رسول بدرجة كبيرة من الأمن والاستقرار.


٤) القوة الاقتصادية:


اعتمدت الدولة على:


التجارة البحرية.


الزراعة.


الضرائب المنظمة.


رسوم الموانئ.


خامسا :جهود الدولة الرسولية في خدمة الإسلام:


قدمت الدولة الرسولية خدمات جليلة للحضارة الإسلامية، من أبرزها:


1) نشر العلم الشرعي:


أنشأت عشرات المدارس في:


تعز.


زبيد.


عدن.


إب.


وأصبحت زبيد من أشهر المراكز العلمية في العالم الإسلامي.


2) رعاية العلماء:


احتضنت الدولة عددًا كبيرًا من العلماء والمحدثين والفقهاء والأدباء.


3) بناء المساجد:


شُيِّدت المساجد الكبرى والمدارس الوقفية في مختلف المدن.


4) خدمة الحرمين الشريفين:


ساهم بعض سلاطين بني رسول في إرسال الأموال، والهدايا، والأوقاف إلى مكة المكرمة ،والمدينة المنورة.


سادسا:النهضة العلمية ،والحضارية:


بلغت الحضارة الرسولية مستوىً رفيعًا في مجالات متعددة، منها:


العلوم


ازدهرت:


الفقه.


الحديث.


التفسير.


اللغة العربية.


التاريخ.


الطب


اهتم سلاطين بني رسول بالطب والصحة العامة.


الزراعة


طُورت وسائل الري ،واستصلاح الأراضي الزراعية.


العمارة


شُيدت:


القلاع.


المدارس.


المساجد.


السدود.


ومن أشهر الآثار:


المدرسة المظفرية بتعز.


قلعة القاهرة.


عدد كبير من المدارس الرسولية في زبيد وتعز.


سابعا:آثار الدولة الرسولية، وثمارها:


ترك الرسوليون إرثًا حضاريًّا ضخمًا، يتمثل في:


نشر العلم الشرعي.


ازدهار الحركة الثقافية.


تنشيط التجارة البحرية.


تطوير الإدارة الحكومية.


إنشاء المؤسسات الوقفية.


دعم الاستقرار السياسي في اليمن.


بناء منشآت عمرانية ما زال بعضها قائمًا حتى اليوم.


ثامنا:أسباب سقوط الدولة الرسولية:


رغم قوتها، بدأت الدولة تدخل مرحلة الضعف خلال القرن التاسع الهجري.


ومن أهم أسباب السقوط:


1) الصراعات الداخلية:


تنازع أبناء البيت الرسولي على الحكم، مما أضعف وحدة الدولة.


2) ضعف السلطة المركزية:


تزايد نفوذ الأمراء المحليين والقبائل.


3) الأزمات الاقتصادية:


تراجعت بعض طرق التجارة العالمية، مما أثر في موارد الدولة.


4) صعود الدولة الطاهرية:


استغل الطاهريون حالة الضعف، وسيطروا على أجزاء واسعة من اليمن.


وفي سنة 858هـ/1454م انتهى حكم بني رسول رسميًّا، وقامت الدولة الطاهرية على أنقاضها.


تاسعا:دروس، وعبر:


تكشف تجربة الدولة الرسولية أن الأمم لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل بالعلم والاقتصاد، والإدارة الرشيدة،كما تؤكد أن الصراعات الداخلية كانت ،وما زالت من أخطر أسباب سقوط الدول ،والحضارات.


لقد استطاع بنو رسول أن يجعلوا اليمن مركزًا علميًّا، وتجاريًّا مؤثرًا في العالم الإسلامي لأكثر من قرنين، فاستحقوا أن يُذكروا ضمن الممالك الإسلامية التي كتبت صفحاتٍ مشرقةً في سجل الحضارة الإنسانية.


المراجع العربية:


١)الخزرجي، علي بن الحسن، العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية، تحقيق محمد بن علي الأكوع، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء.


٢)إسماعيل بن علي الأكوع، اليمن الخضراء مهد الحضارة، دار الفكر، دمشق، 1985م.


٣)عبد الله محمد الحبشي، مصادر الفكر الإسلامي في اليمن، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، 1988م.


٤)حسين العمري، تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، دار الفكر المعاصر.


٥)جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار العلم للملايين.


٦)محمد عبد القادر بافقيه، اليمن عبر التاريخ، جامعة صنعاء.


٧)عبد الرحمن جازم، الحياة العلمية في الدولة الرسولية، مركز الدراسات والبحوث اليمني.


٨)أحمد حسين شرف الدين، تاريخ اليمن الثقافي، دار العودة، بيروت.