د مصطفي علي يكتب حين تغيب الصحافة... يتسع الظل
حين تغيب الصحافة... يتسع الظل
كتب دكتور مصطفي علي
في عالم تتسارع فيه وتيرة الأحداث و تتلاطم أمواج المعلومات، تبرز الحاجة الماسة إلى بوصلة ترشد الرأي العام وتكشف الحقائق.
إنها الصحافة الحرة، القوية، و النزيهة. ولكن، حين تغيب هذه البوصلة، أو تفقد آليتها، يتسع الظل ليغطي مساحات شاسعة من الوعي الجمعي، تاركاً المواطن فريسة لـ التأويلات والشائعات، أو رهينة لمصادر لا تخدم سوى أجنداتها الخاصة.
أزمة المصادر وتشويه الحقيقة يعيش المواطن اليوم حالة من الاستقطاب الإعلامي الحاد، فبين مصدر محلي يميل إلى تبسيط الأخبار وتجميل الحقائق، مقدماً إياها كـ نوع من (الخضار السوتيه) بارد وناعم، وبين مصادر خارجية لا تتورع عن (تملؤها شطة وفلفل أسود و جوزة الطيب)، لتقديمها (ملهلبة) على البطن (و تنكد علينا)، تضيع الحقيقة و تتوه الرؤية.
هذا التناقض الصارخ لا يترك مجالاً للتحليل الموضوعي أو الفهم العميق لما يجري، بل يزرع الشك والريبة في كل معلومة تصل إلى المتلقي.
غياب الرقابة الشعبية والمساءلة إن غياب الصحافة الاستقصائية الفاعلة يترك فراغاً مهولاً في آليات الرقابة الشعبية.
فكيف يمكن للمواطن أن يثق في مؤسساته عندما يتابع ما يحدث في البرلمان، الذي من المفترض أن يتحدث باسمه، عبر فيديوهات مسربة أو تصريحات متفق عليها مسبقًا لكي لا تظهر كأنها صورة جرافيك؟
هذا الوضع يؤدي إلى شعور عام بالعجز، حيث تتحول قضايا الرأي العام إلى مجرد أحاديث جانبية أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
ـ لقد أصبح (المنشن) لصفحة وزارة الداخلية على فيسبوك انتصاراً كبيراً، وهو كذلك فعلًا لسرعة رد الفعل وبديلاً عن المقالات الصحفية التي كانت تضغط وتكشف.
هذا التحول، وإن بدا إيجابياً في ظاهره، إلا أنه يعكس تراجعاً خطيراً في دور المؤسسات الصحفية الكبرى.
فبدلاً من أن يعتمد المواطن على عز المؤسسات الصحفية الضخمة وقدرتها و ميزانيتها والصحفيين فيها، أصبح ينتظر صفحة صريح مصر لكي تأكد له أو تنفي له الخبر.
هذا الاعتماد على المصادر غير الرسمية، رغم أهمية دورها في بعض الأحيان، يؤكد أن هناك خللاً عميقاً في المشهد الإعلامي الرسمي.
قضايا مهملة وتحقيقات غائبة.
إن الفراغ الذي يتركه غياب الصحافة الحرة يتجلى بوضوح في إهمال قضايا حيوية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
ففي الوقت الذي يحضر فيه أكثر من 50 صحفي في جنازة والد النجم المشهور، لا نجد صحفي واحد قادر أن يعمل لنا تحقيق عن الشجر الذي يم تقطيعه بطول مصر من الإسكندرية للصعيد.
هذه القضايا البيئية والاقتصادية والاجتماعية، التي تؤثر على الملايين، تظل حبيسة بوستات تشتكي أمرها لله، دون أن تجد من يتبناها ويكشف خباياها.
الأمثلة لا حصر لها...
ـ حول ما أثير من مناقشة قانون التأمينات الاجتماعية، كل مصادر المعلومات مسربة.
ـ قانون الاحوال الشخصية هل هو تعديل ام تغيير؟ أين دور الصحافة في توصيل الوعي ؟
ـ قضية عروس بورسعيد كل المصادر مسربة و كأنها مُعدة سلفًا؟
ـ ما تم من إعادة انتخابات البرلمان في بعض الدوائر دون تحقيق واحد يكشف لنا ما الذي حدث بالضبط، أو نتيجة الطعون التي تم تقديمها.
ـ ظاهرة الغش في الامتحانات بسماعات الأذن دون تحقيق يكشف لنا من أين جاءت علينا هذه المصيبة و أثارها.
ـ معاناة أصحاب المعاشات في صرف المعاشات، معاناة أصحاب التأمين الصحي ومعاناة صرف الأدوية وقلتها،من المسئول واين الخلل؟.
هذه الملفات المفتوحة، التي تمثل صميم حياة المواطن، تظل بلا إجابات شافية، مما يعمق الشعور بالإحباط وعدم الثقة.
الصحافة الحرة.... ضرورة وطنية لا رفاهية.
سمعنا مرة إن سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي يشكو من أن بعض الوزراء و المسئولين لم يقدموا للناس الإنجازات، بينما من يستطيعون تقديمها يجدون أنفسهم في وضع حساس يمنعهم من النقد، هو وصف دقيق للمأزق الحالي. فالصحفي الذي لا يستطيع أن ينتقد، لا يمكنه أيضاً أن يثني بصدق، لأنه يفقد مصداقيته في الحالتين.
ما نحتاجه هو صحافة حرة قوية نشطة تملك القدرة أن تفتح الملفات و تفند القضايا وتعاقب وتكرم و تنتقد وتقدم الشكر.
هذه الصحافة ليست مجرد رفاهية، بل هي ضرورة وطنية تخدم ثقة الناس في نفسها وفي معلوماتها.
إنها الآلية التي تغلق الباب على المنصات الخارجية الغير صادقة المزعجة و روش ولجان كل همها تزييف الحقيقة.
فالحقيقة التي يجب ان يُساءل عنها الإعلام الرسمي من الذي يمولها؟
الحقيقة هي أن الذي يمولها هو أنا وانت والإعلام وكل من يفتح لها المجال، فـ كل المناقشات والملفات و الخلافات التي يتم اغلاق الباب عليها هنا هي رأس مال هذه المنصات الخارجية، وهي التي تجعل الناس تتابعها و تجعلها ناجحة.
اذا اردنا ان نخطو نحو مستقبل أكثر شفافية لابد من وجود جهة رقابة شعبية في إيد الناس كل صباح وقريبة منهم وهذه الجهة هي الصحافة، هي السلطة الرابعة لكل أمر حيوي لتقدم أي مجتمع.
لان وجودها سوف يجعل أشياء كثيرة يتغير حالها إلي الافضل و الأصلح، حتى لو كان هذا الإصلاح خطر على بعض الناس.
إن الصحافة الحرة هي صمام الأمان، ومرآة المجتمع، وصوت من لا صوت له.
حين تُصمت، أو تُقيد، فإن الظل يتسع، وتكثر اللجان، وتزداد المنصات الخارجية كذبًا، و تتوارى الحقائق، وتنمو الشائعات، ويفقد المواطن بوصلته في بحر متلاطم من المعلومات المضللة.
لتعود الثقة، وت لتتضح الرؤية، لا بد أن تعود الصحافة إلى مكانتها كحارس أمين للحقيقة، و كشريك أساسي في بناء مستقبل أكثر شفافية وعدلاً.
اللهم احفظ علينا أهلينا وأُسرنا وأولادنا وبلادنا وقيادتها الحكيمة وجيشها الباسل ورجال أمنها الأوفياء...





التعليقات على الموضوع