المستشار السيد ابوالحسن شلبى يكتب أحلام تتسابق 🇪🇬
بقلم المستشار السيد ابوالحسن شلبى
أحلام تتسابق
المشهد الثالث
تبدأ اللقطة على ساعة حائط تشير إلى ما بعد منتصف الليل
المدينة غارقة في السكون
النوافذ أغلقت أبوابها
والشوارع خلت إلا من أضواء متعبة تتناثر فوق الأرصفة
لكن هناك نافذة ما زالت مضاءة
غرفة صغيرة
مكتب بسيط
وأكوام من الكتب والأوراق تحاصر المكان من كل جانب
يجلس بطل الحكاية وحده
لا يرافقه سوى حلمه
ولا يؤنسه سوى إيمانه بأن القادم يستحق هذا العناء
كان الجميع يظنون أن القصة انتهت عند أول نجاح
لكنه كان يعلم أن النجاح الأول ليس سوى بداية اختبار أصعب
اختبار المحافظة على القمة
واختبار تطوير الذات
واختبار الانتصار على الغرور قبل الانتصار على المنافسين
في تلك الليالي الطويلة
كان يقرأ بينما ينام الآخرون
ويتعلم بينما يكتفي الآخرون بما لديهم
ويبحث عن أسرار جديدة بينما يظن الآخرون أنهم عرفوا كل شيء
كان يشعر أن العالم أوسع من أن يختصر في وظيفة
وأكبر من أن يحاصر داخل مكتب
وأعظم من أن يتوقف عند محطة واحدة
كل كتاب كان يقرأه يفتح أمامه طريقا جديدا
وكل فكرة يتعلمها كانت تدفعه إلى أفق أبعد
حتى بدأ يرى الصورة كاملة
أدرك أن الإنسان لا يصنعه ما يعمله فقط
بل ما يتعلمه
ولا يصنعه ما يملكه
بل ما يضيفه إلى عقله وروحه
وفي صباح أحد الأيام
دخل إلى مكتبة قديمة في قلب المدينة
كانت الرفوف تمتد كأنها شوارع من المعرفة
وكانت الكتب مصطفة كأنها جنود تحرس كنوز الحكمة
تجول بينها ساعات طويلة
ثم خرج حاملا مجموعة من الكتب تكاد تملأ ذراعيه
نظر إليه البائع مبتسما وقال
هل ستقرأ كل هذا
فابتسم الشاب وأجاب
بل سأبدأ فقط
كان يعلم أن المعرفة ليست ترفا
وليست هواية
بل طريق نجاة
ومنذ ذلك اليوم أصبح التعلم جزءا من حياته
مثل الهواء الذي يتنفسه
والماء الذي يرتوي منه
ومع مرور الوقت بدأت ملامح التغيير تظهر بوضوح
لم يعد مجرد موظف ناجح
بل أصبح صاحب رؤية
وصاحب فكرة
وصاحب مشروع أكبر من حدود المكان الذي يعمل فيه
صار يرى ما لا يراه الآخرون
ويفكر فيما لا يفكرون فيه
ويبحث عن الغد بينما ينشغل غيره باليوم
وفي أحد الاجتماعات الكبرى
كان الجميع يناقشون الأرقام
ويتجادلون حول التفاصيل
أما هو فكان ينظر إلى شيء آخر
كان يرى المستقبل
وفجأة تحدث
كانت كلماته مختلفة
وأفكاره مختلفة
ورؤيته مختلفة
ساد الصمت في القاعة
ثم بدأت الوجوه تلتفت نحوه
لأول مرة لم يكن مجرد شخص يجلس بين الحاضرين
بل أصبح شخصا يصنع الاتجاه الذي يسيرون نحوه
في تلك اللحظة أدرك أن القراءة لم تمنحه معلومات فقط
بل منحته قوة
قوة الفهم
وقوة التحليل
وقوة رؤية ما وراء الأحداث
وعندما عاد إلى منزله تلك الليلة
وقف أمام المرآة طويلا
تذكر أيام الخجل الأولى
وتذكر ارتباكه القديم
وتذكر كل باب أغلق في وجهه
ثم ابتسم
لأنه أدرك أن تلك العقبات نفسها هي التي صنعت منه ما هو عليه الآن
وتعلو موسيقى المشهد تدريجيا
بينما تظهر لقطات سريعة لكتب تقلب صفحاتها
وأوراق تمتلئ بالملاحظات
وأحلام تتحول ببطء إلى حقائق
ويأتي صوت الراوي من بعيد
أخطر لحظة في حياة الإنسان
ليست عندما يفشل
بل عندما يظن أنه لم يعد بحاجة إلى التعلم
ففي اللحظة التي يتوقف فيها العقل عن النمو
تبدأ الأحلام في الذبول
أما الذين يواصلون التعلم
فإن أعمارهم تتضاعف بخبراتهم
وتتسع آفاقهم مع كل فكرة جديدة
وهكذا يواصل الكاتب الصحفي والشاعر المستشار السيد أبوالحسن شلبي نسج خيوط هذه الحكاية
حكاية رجل أدرك أن الطريق إلى القمة لا تصنعه الأقدام وحدها
بل تصنعه العقول التي لا تتوقف عن البحث
وأن أعظم الثروات ليست ما يوضع في البنوك
بل ما يودع في الفكر من علم
وما زالت الأبواب تفتح
وما زالت الفصول القادمة تحمل مفاجآت أكبر
لأن الحلم لم يصل بعد إلى نهايته

التعليقات على الموضوع