د حسين ابو المجد يحلل نص الرحايا للروائي محي حافظ
قراءة أدبية لنص الرحايا لرب السيف والقلم محي الدين محمود حافظ
بقلم كاتب الصعيد حسين أبوالمجد حسن
في نص الرحايا لا يكتب الشاعر كلمات تقرأ بل يسكب روحا تعاش ويصوغ من الألم فلسفة ومن الانكسار رؤية ومن الدوران الأبدي قدرا لا مهرب منه نحن هنا لا نقف أمام قصيدة بل أمام مرآة داكنة تعكس هشاشة الإنسان حين يسحق بين فكي الزمن والواقع
منذ العنوان يضعنا الشاعر الاديب محى الدين محمود حافظ متعدد المواهب في قلب المأساة الرحايا ليست مجرد أداة طحن بل استعارة كونية لدائرة لا تتوقف لحياة تدور دون أن تصل ولإنسان يستهلك دون أن ينقذ إنها رمز للقدر حين يتحول إلى آلة صماء لا ترى لا ترحم ولا تتوقف
يفتتح النص بإحساس جسدي خانق
أشعر بثقلها على ضلوعي
وهنا تتحول الرحايا من شيء خارجي إلى كيان داخلي كأنها نبتت داخل صدر الشاعر تطحنه من الداخل لا من الخارج هذا التحول الذكي يجعل الألم أكثر التصاقا وأكثر صدقا وأكثر قسوة
ثم تتصاعد الصورة إلى ذروتها حين يقول
سادية يد تطحن
وتترقبها النار
هنا نحن أمام عالم لا تحكمه العدالة بل القسوة المجردة حيث الفعل لا يكتفي بالبطش بل ينتظر جزاءه بالنار وكأن الجميع عالق في حلقة من العنف المتبادل
لكن المفارقة الموجعة تتجلى في صورة أخرى شديدة العمق
وأياد صغار تبتسم
وتتلهف العشاء
هنا يضعنا الشاعر أمام سؤال أخلاقي مرعب هل البراءة بريئة حقا أم أنها دون أن تدري جزء من ماكينة الطحن إن الجوع والحاجة والبساطة كلها تتحول إلى شركاء صامتين في استمرار الألم
ثم يضرب الشاعر بقوة فلسفية حين يقول
يد سنوات تحفر في الماء هباء
صورة تختصر عبثية الحياة جهد يبذل في اللاشيء ومحاولة تلقى في الفراغ وانتظار للثناء لا يأتي إنها لحظة انكشاف كبرى حيث يدرك الإنسان أن ما أفناه من عمره لم يكن سوى سراب
ويصل النص إلى قاعه المظلم بإعلان قاطع
لا حياة
لا غفران
لا حب
ثلاثية نفي تمحو كل معنى ممكن للوجود وتترك الإنسان عاريا أمام العدم بلا سند بلا أمل بلا حتى وهم يمسك به
لكن الكاتب محى الدين محمود حافظ لا يكتفي بالغرق في الذات بل يفتح نافذة على الطبيعة
إنه البحر مثلك
في هذه اللحظة يصبح البحر توأما للإنسان كلاهما مسلوب الإرادة تحركه قوى أكبر منه يتأرجح بين الهيجان والسكون دون اختيار إنها صورة كونية للضعف الإنساني حيث الحرية ليست إلا وهما جميلا
ورغم كل هذا السواد يلمع سطر كأنه ومضة نور في ليل كثيف
يخرج اللؤلؤ
من رحم صدفها بالألم
هنا يبلغ النص ذروة جماله الألم لا يعود مجرد أداة سحق بل يصبح رحما للخلق ومصدرا للجمال لكن المفارقة أن هذا الجمال لا يحرر صاحبه بل يولد من معاناته ويتركه فيها
ثم تأتي الضربة الفلسفية الأخيرة
وأنا بالدائرة
وهدفي العدم
إنها خلاصة التجربة كلها حركة بلا نهاية سعي بلا غاية وجود ينتهي إلى لا شيء إنها رؤية وجودية خالصة تختصر مأساة الإنسان في كلمتين الدائرة والعدم
ويختم رب السيف والقلم نصه باعتراف موجع
وأبقي وحدي
كالعادة
مدعي الفضيلة
هنا تسقط آخر الأقنعة لا بطولة لا طهر مطلق بل إنسان وحيد يتشبث بفكرة الفضيلة ربما كوسيلة دفاع أخيرة ضد الانهيار
في الرحايا ينجح رب السيف والقلم محي الدين محمود حافظ في تقديم نص شعري مكثف تتعانق فيه الرمزية مع الفلسفة وتتصاعد فيه الصور من الحسي إلى الوجودي ليضع القارئ أمام تجربة إنسانية صادقة مؤلمة لكنها مبهرة في صدقها وقوتها
إنها قصيدة لا تقرأ مرة واحدة بل تعاش مرارا لأنها ببساطة تشبهنا أكثر مما نحب أن نعترف




التعليقات على الموضوع