اعترافات الشاعرة سالى النجار الأب صفحات لا تنسى 🇪🇬

 

الأب صفحات لا تنسى 





هناك بيوتٌ تُربّي أبناءها على العيش، وبيوتٌ تُربّي أبناءها على المعنى وبيت أبي كان المعنى نفسه.


كان أبي هو الحبُّ الأول في حياة فتاةٍ تعلّمت مبكراً أن الرجولة ليست صوتاً مرتفعاً، بل ضميراً مرتفعاً.


أدخلني المدرسة وأنا ابنة خمس، لكنّه أدخلني قلوب الآيات قبل مقاعد الفصول؛ كنت أحفظ الجزء الثلاثين بفضل مراجعته لي كل جمعة، وبفضل سهره كل مساء حول مائدةٍ تتحوّل بالحبّ إلى مدرسةٍ ثانية.


كنا نجلس نحن وأمي، نحكي تفاصيل النهار، فيُهذّب أبي ما اعوجّ من تصرّفاتنا، ويزرع فينا من القيم ما تستقيم به الحياة.


كان يقول إذا غضب من أحد: “هذا إنسان بلا مبدأ”… وكأن المبدأ عنده وطنٌ لا يسمح لأحد بالخروج منه.


وكان يضع قطعة طعام في فم كلٍّ منا، كأنه يقول: هكذا تُطعَم القلوب قبل البطون.


وفي يوم الجمعة، كان الغداء طقساً من طقوس الأبوة؛ يعدّه بنفسه، ويراجع حفظنا، أو يأخذنا في نزهة نصنع منها ذكرى جديدة.


أمّي كانت تخيفني بعبارتها الشهيرة: “لما ييجي أبوكي هاقوله”.


كنت أرتعد من العقاب، ولم أكن أعلم أن أبي كان يعرف كل شيء، ولكنّه يطلب منها ألّا تفضح علمه حتى نتعلّم من ضمائرنا لا من خوفنا.


رحمه الله… كان يربّينا لنكون بشراً لا ممثلين.


ومضت الأيام…


تزوّجت، وعشت مع حماتي عشر سنوات لم أسيء فيها يوماً.


ومع ذلك، اعترفت لي مرة أنها كانت تختبرني عمداً، تضغط عليّ كي ترى “وجهاً آخر”.


لكنها لم تجده… فاكتشفتُ يومها أنني ابنة أصولٍ لا تتغيّر بالضغط ولا بالظلم.


ثم اختلفتُ مع أصدقاءٍ على أمرٍ من المبادئ، فاشتدّ الخلاف حتى بكيت.


جلس زوجي إلى جواري وقال كلمته التي اخترقتني:


“العيب مش فيكي… العيب إنك متربّية بزيادة.


أخلاقك ومبادئك وشرفك بقوا عيب اليومين دول.


اللي يقرّب منك ويحس ده… يحسّ بنقص قدّامك.”


يا لمرارة الحقيقة…


هل صار امتلاك الأخلاق نقصاً؟


وصار الثبات على المبدأ تهمة؟


وصارت الطيبة سذاجة، والصدق غلطة، والنقاء عاهة اجتماعية؟


رحمك الله يا أبي…


ورحمك الله يا أمي…


كنتما تُربّياني لعالمٍ آخر، زمنٍ آخر، بشرٍ آخر.


كنتُ أظن أن ما زرعتماه فيّ هو نجاتي… فإذا به في هذا الزمن عقوبتي.


لكنّي رغم ذلك لا أندم.


فما زلتُ أؤمن أن الكرامة لا تنقرض، وأن المبدأ لا يُورّث للخسائر بل يُورّث للسماء.


وأنّ من تربّى على النور لا يستطيع أحد أن يدفعه إلى الظلام.


اعترافات الشاعرة سالى النجار