طارق غريب يكتب أنا و سيناء 🇪🇬

 

أنا وسيناء



ظلام ينسحب ببطء 


، ضوء ذهبي على طارق  ،  


واقف في صحراء تمتد بلا نهاية.


 الريح تصفر ، كأنها تهمس بالأسماء القديمة.) 


طارق : 


يا صحراء سيناء ، 


يا ذاكرة الحرب والسلام 


كم مرةٍ مررتُ بكَ دون أن أراكِ ، 


وكم مرةٍ رأيتكِ دون أن أفهمكِ؟


كل ذرة من رملكِ تروي سِفرًا لم يُكتَب بعد. 


(تظهر سيناء من الضوء ، 


عباءة من الرمل والسماء  ، 


وجهها غامض شفاف.) 


سيناء : 


أنا التي انتظرْتُك طويلاً يا طارق 


منذ أول حجر وُضع في مدرستك القديمة 


ومنذ أول طلقة خرجت دفاعًا عني.


طارق : 


كنتُ أبحث عنكِ في الكتب يا سيناء ، 


في الحكايات التي حفظناها عن النصر ، 


لكنّ الكتب نسيت الدموع التي سبقت الانتصار.


سيناء : 


ولأنك تبحث بالقلب لا بالعين ، 


جئتُك لأُريكَ وجهي الحقيقي 


وجهي الذي لا يراه إلا من نزف معه.


 


(من عمق المسرح


، يدخل الشيخ البدوي ، 


 عصاه تتكئ على التاريخ.) 


الشيخ البدوي : 


السلام عليك يا ابن المدن 


هل جئتَ تسمع الأرض أم تكتبها؟


طارق : 


جئتُ أعتذر لها يا شيخ الصحراء ، 


عن صمتي الطويل ، وعن الذين نسوا خُطاهم فيها. 


الشيخ البدوي : 


الأرض لا تغضب يا طارق ، 


لكنها تئن إن لم يُصلِّ أحد على رملها.


هنا دُفن الرجال ، 


وهنا عبرت الخيول ، 


وهنا لا تُروى القصص إلا بدمٍ أو بصدق.


(سيناء تهمس بصوت خافت يشبه الريح)


سيناء : 


اشهد يا شيخ ، أني ما خنتُ أحدً ا، 


وأنهم ما زالوا يسكنونني وإن غابوا.


 


(يدخل الجندي محمود ، 


ثيابه تحمل آثار معركة قديمة ، 


يحمل خوذته بيده كمن يحمل رأسه.) 


محمود : 


يا سيناء ، لم أنسَ وجهي حين أشرقتِ عليّ بعد الحرب. 


كان الغبار يغطي كل شيء ، 


لكنّ عينيكِ ظلّتا صافتين كأنهما وعدٌ من السماء.


طارق : 


هل عدتَ حيًّا يا محمود ؟ 


قالوا إنك استشهدتَ عند تبةٍ لا اسم لها.


 محمود يبتسم : 


الشهيد لا يُدفن يا طارق ، 


بل يُوزَّع في صدور الذين يتذكرون.


أنا لستُ هنا جسدًا ،  


أنا ظلّ رفاقي الذين لم يعودوا.


سيناء تقترب منه : 


سلام عليك يا ابني ، 


يا من جعلتَ الرمل صليبًا والطلقة صلاة. 


 


(تدخل أم الشهيد ، ثوبها أسود ، 


تحمل صورة صغيرة ملفوفة بخرقة خضراء.) 


أم الشهيد : 


جئتُ أراكِ يا سيناء


ابني ما زال هنا ، أليس كذلك؟ 


قالوا دُفن في الرمل 


لكني كلما مرّت الريح سمعتُ صوته يقول : 


“أنا حيّ يا أمي.”


سيناء بصوت أمومي : 


هو حيّ يا أمّه ، 


في كل نخلةٍ ، في كل نسمةٍ ، 


في كل طلقةٍ أطلقت من أجل الحق. 


أم الشهيد : 


كنتُ أخاف أن أنسى صوته  


لكنّي كلما نمتُ ، 


سمعتُه يناديني من الصحراء : 


“لا تبكي يا أمي ، 


فأنا ما متُّ ، أنا أصبحتُ سيناء.” 


(طارق يقترب منها ، يضع يده على كتفها.) 


طارق : 


سلام لكِ يا أمّه ، 


لولاكِ ما قامت حرب ، 


ولا استراح وطن.


(تدخل كفاح 


، فتاة شابة تضع على رأسها غطاءً بسيطًا ، 


تحمل حقيبة مدرسية متهالكة.) 


كفاح : 


أنا من رفح يا طارق ، 


حيث البيوت تُهدم ويُبنى القلب من جديد.


أبي يقول لي : “احفظي اسم سيناء أكثر من اسمك.” 


وأنا حفظته ،لكني أخاف أن أعيش دونها. 


طارق يبتسم لها بحنو : 


بل ستعيشين لأجلها يا كفاح ، 


فأمثالكِ هم الذين يكتبون المستقبل بالحلم لا بالدم.


كفاح : 


علّمني أبي أن أزرع الورد فوق الجدار المهدوم ، 


وأن أقول في وجع القصف : “لن أموت قبل أن أضحك.” 


سيناء : 


يا ابنتي كفاح  


فيكِ أرى الغد الذي لا يُقهر.


 


(يدخل الأستاذ صلاح ،


 يحمل سبورة صغيرة ، 


 يرتدي بدلة قديمة.) 


الأستاذ صلاح : 


كنتُ أدرّس الجغرافيا يا طارق ، 


لكنّي اكتشفت أن سيناء لا تُدرّس ، 


بل تُعاش.


كانوا يسألونني : أين تقع؟ 


فأقول: “تقع في ضمير كل مصري صدق يومًا أنه إنسان.”


طارق : 


وهل ما زلتَ تدرّس يا أستاذ صلاح؟


الأستاذ صلاح بحزن : 


المدارس تغيّرت 


صار التلميذ يسألني : 


“هل الوطن مادة اختيارية؟”


(صمت ثقيل)


سيناء : 


علّمهم أني لستُ سؤالاً في الامتحان ، 


بل جوابًا يُكتَب بالدموع لا بالحبر.


 


 (تدخل الخالة صفية ،


 سلة الخضار على كتفها ، 


صوتها شعبي بسيط مليء بالحكمة.) 


الخالة صفية : 


صباح الفل يا طارق  


جايين تفتكروا سيناء؟


وأنا كل يوم أفطر على ذكرها!


الرغيف من ترابها ، والمية من نيلها ، والملح من دموعها. 


طارق بابتسامة محبة : 


يا خالة صفية  


أنتِ الوطن في أبسط صورة ،  


صوتكِ أشبه بالأذان قبل الحرب.


الخالة صفية : 


الوطن مش كلام يا ابني ، 


الوطن لما تبكي على حبة طماطم اتزرعت في أرضه.


 (ضحك خفيف من الجميع.) 


 (يدخل عم عطية الفكهاني ،


 يحمل قفص تفاح ، صوته مرح لكنه يلمس القلب.) 


عم عطية : 


أنا جاي أفرّق التفاح يا ناس ، 


بس بين تفاحة وتانية ، لقيت قلبي متعلق برملة من رملها! 


هو في بلد زي دي؟


كل شمسها بتضحك ، حتى وهي بتتوجع! 


سيناء : 


يا عطية  


من يضحك رغم الألم ، 


هو من يحميني دون أن يدري.


عم عطية ينظر إليها بعين دامعة : 


أنا كنت فاكر إن الوطنية بس في النشيد ، 


لكن طلعت في عرق الراجل ، 


 لما يشيل طوبة عشان يعمر بيت على أرضك. 


(الكل يقف حول طارق في دائرة.


 الإضاءة تميل إلى الذهب ،


 والموسيقى ترتفع شيئًا فشيئًا.) 


طارق بصوت ممتزج بالعزم : 


يا سيناء ، 


يا وطنًا من صمتٍ ورملٍ وماء ، 


يا جرحًا يلمع كالنجمة ، 


ها نحن نعود إليكِ لا لنحكي عن الحرب ، 


بل لنقول إنكِ لا تزالين حيّةً فينا.


الجميع معًا بصوت جماعي : 


سيناء لا تُباع 


سيناء لا تُنسى


سيناء تسكننا!


 


(سيناء ترفع يدها ،


 يتحول الضوء إلى أبيض ساطع ، 


يصمت الجميع.) 


سيناء بصوت عالٍ يملأ المسرح : 


أنا الأرض ، ومن نسيَ الأرض ، نسي نفسه.


 


(إظلام تدريجي ، يُسمع صوت الريح من جديد ، 


كأنها تصفّق للحياة.) 


أخلع تعليك ، إنك بالوادي المقدس .


تمت 


طارق غريب