عبدالسلام اضريف...تداول الايام كأوراق شجر الخريف
تداول الايام كأوراق شجر الخريف
خريف الاعمار والحياة لجيل الستينات والسبعينات بدات بوادر فصول مسرحيته في التنزيل بعدما كانت مبعثرة ،غامضة ،حايرة ، ومشتّتة ، فمراحل الإعداد والتنسيق والمراجعة انتهى زمنها اعتبارا لكون مشاهد المسرحية تتعرض للموت بمجرد عرضها على خشبات المسرح او في الهواء الطلق، في هذا الوقت بالذات تتوقف عقارب زمن الحياة ، وترفض وبشكل قطعي الاستمرار في التحرك جهة اليمين ،كما انها مصممة العزم على عدم القَهقرة جهة اليسار، في هذا المقام يتوقف كل شيء ، المداولة تنتهي ، والقرار تم اتخاده ونشره على مستوى الجريدة الرسمية الاِلاهية منذ ان نفخت الروح في الانسان ، والقرار هنا نهائي حيت لا يجوز الطعن فيه بإعادة النظر كما هو متعارف عليه في عرف القواعد القانونية، اذ اَن الطعن بإعادة النظر يعيد طرح النزاع من جديد أمام المحكمة مصدرة الحكم استثناءا عن قاعدة استنفاذ سلطة المحكمة، والتي مفادها أن المحكمة بمجرد إصدارها لحكمها في النزاع المعروض عليها تستنفذ سلطتها بشأنه، ولا يمكنها العدول عما قضت به ما لم يتعلق الأمر بإصلاح خطأ مادي ، وكيف يمكن والحالة هاذه الحفاظ على قاعدة استنفاذ سلطة المحكمة المترتبة عن حجية الحكم القضائي باعتباره عنوانا للحقيقة من جهة، وبين ضمان حقوق الأطراف في تدارك ما لحق الحكم المطعون فيه من أخطاء واقعية من جهة أخرى.
وحتى لا نتيه في ردهات المحاكم والقانون علينا العودة الى صلب الموضوع الذي يتمحور حول نهاية فصول المسرحية البشرية التي تتوقف نبضات قلبها ، فضلا عن موت خلايا دماغها ، وهنا تكون المسرحية قد دخلت فعليا في عداد الموت الحقيقي كما عرفها الفقهاء ، هنا فقط يمكن لمس الحقيقة المطلقة ، اعتبارا لكون الموت هي الحقيقة الوحيدة على وجه الكون التي لا يمكن إخضاعها للنسبية - ، تراها في المنزل وما تدري من اين دخلت ، قد تغلق الباب ، فتاتيك من النافدة ، تحسبها في الداخل بينما هي في الخارج ، - وما دونها فهو في عداد النسبي ،وفي مجال المعرفة، تعبِّر "المُطلقية" عن اللانسبية وهي القول بإمكان التوصل إلى الحقيقة واليقين المعرفي بسبب وجود حقائق مطلقة وراء مظاهر الطبيعة الزمنية المتغيِّرة المتجاوزة لها. والمطلقية في الأخـلاق هي الذهاب إلى أن معايير القيم - أخلاقيةً كانـت أم جماليةً - مطلقةٌ موضوعيةٌ خالدةٌ متجاوزةٌ للزمان والمكان، ومن ثم يمكن إصدار أحكام أخلاقية. أما في السياسة، فهي تعني سيادة الحاكم أو الدولة بغير قيد ولا شرط. والدولة المطلقة هي الدولة التي لا تُنسب أحكامها إلى غيرها فمصلحتها مطلقة وإرادتها مطلقة وسيادتها مطلقة. في حين ان «النسبي»، فهو ينُسَب إلى غيره ويتوقف وجوده عليه ولا يتعيَّن إلا مقروناً به، وهو عكس المطلق، وهو مقيد وناقص ومحدود مرتبط بالزمان والمكان يتلون بهما ويتغيَّر بتغيرهما، ولذا فالنسبي ليس بعالمي.
مذيعة القطار تشرع في تنبيه المسافرين والركاب بالاستعداد للنزول في المحطات حسب وِجهة كل راكب مسافر كلما اقترب القطار ( فائقاً للسرعة كان ام عادياً) من محطات الوقوف الإجبارية ، لكن كنهَ مسرحية الحياة ليس بها مضيفة تحيط المسافرين علما باقتراب موعد النزول والمغادرة ، والمرحلة الزمنية التي قضاها المسافر في قطار الرحلة تتفاوت بين مختلف المسافرين ، فمنهم من استغرقت رحلته فترة زمنية قصيرة ، ومنهم من لم يسعفه الحظ فنال اقل من ذلك ، ومنهم من تجاوز الفترة القصيرة بِرَفرَفة رموش العين ،وعليه فان كل من آنَس من المسافرين بان محطته قد اقتربت، يعمل على توديع كل من كانوا رفقته في القطار حيت يلتمس لهم السلامة في ابتِغاء اهدافهم ، لكن واقعة الوفاة وخاصة الفجائية منها لا تمنح المُتوفى نفس الحظ كالذي تمنحه مظيفة القطار في التنبيه بحلول اقتراب القطار للمحطة موضوع هدف المسافر .
فالبشرية كأوراق الشجر حيت تبدا في التساقط كلما حَلّ خريفها ، على خلاف الخريف الطبيعي الذي يخضع حتما لطقوس ظروف زمنية معينة متعارف عليه في عرف علوم الحياة والارض ، لكن الخريف البشري غير خاضع لقواعد الزمن الطبيعي ، اذ ان اوراق الخريف البشري منها من تتساقط دفعة واحدة ، ومنها من تتساقط على انفراد ، ومنها من لا تسقط الا في وقت لاحق ، في حين ان اوراق الشجر الطبيعي فمن لا تسقط اِبان الخريف الزمني على غرار باقي الأوراق الاخرى التي سقطت بمجرد هبوب رياح الخريف الاولى ، فهي اِما متمردة وثائرة على السقوط وتريد التشبت بالحياة اطول فترة ممكنة الاَمر الذي يجعلنا نتساءل هل يمكن اعتبار المتشبثة من الأوراق الرافضة للسقوط مثل باقي الأوراق المتساقطة، والبقاء ضمن احضان الشجرة متمردة على حيتيات واقع السقوط ؟
ام ان الشجرة تتعامل بنوع من الميز بخصوص جميع اوراقها ، اِذ تُسقط العجفاء الصفراء ، وتتخلى عنها لمصيرها ، في حين تحتفظ بالتي يمكن ان تنتعش منها.؟ حقيقة لا أستطيع الجواب على هذه الأسئلة.
الخريف البشري تنقطع فيه أوتار القيتارة فلا تعود تملا باقي الأنفس بنغماتها الساحرة ، ومع ذلك فالنار لابد مخلفة رماداً مقدسا، بحيت ان الأهل والأصدقاء يرجعون اليه كلما عادت بهم الذاكرة الى ثنايا الماضي الجميل من اجل التمتع ولو للحظات بدفئه وما فيه من جمال وجلال .
فارقنا الكثير من الأهل والأصحاب والأصدقاء ، والأصدقاء بالجنب ، كانوا يحملون فعليا قلوباً شاعرة ،تركوا بصماتهم على صفحات التاريخ ، وعلى رمال مرافيء الزمن ، فما اسعد أنقياء القلوب، حيت الملائكة تنثر الزهور على قبورهم لما خلّفًوه من اثر طيب وراءهم ، فهم قد قضوا نحبهم ، ونحن ما زلنا ننتظر، وبالمناسبة نسال الله لهم المغفرة والرحمة، وللاشارة فنحن لا نعترض على قضاء الله وقدره الذي لا راد له ، و لا يسعنا في النهاية الا القول
" وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ."
صدق الله العظيم .
الله غالب

التعليقات على الموضوع